الخميس، 10 سبتمبر 2026

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 14

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 14

تطوان : مصطفى منيغ

تنفيذ ما فكرتُ فيه يحتاج لحدوث مُعجزة لضمان نجاحه بالكامل ، وإقناع الرئيس الهواري بومدين أن المغاربة المقيمين في بلده شيء آخر عكس ما يصفهم به في جلساته الحميمية ، قادرون متى شاؤوا وضع حد لما طفح على سطح يظهر للمتتبعين جسامة الهجمة المُخطَط لها لتستمر زمناً كافياً لترسيخ عداء متطوِّر يجعل من المغرب خطراً على الأمن القومي الجزائري ويجب التنغيص على وجوده مرحلة بعد أخري ولكل منها خطاب يناسب شعوب دول افريقية بعينيها بإضافة  بعض الفرنسيين المتحمسين لإتباع ما يجعلهم أقرب للنظام الجزائري بتكتيك ابتدعته أجهزة فرنسية خاصة مهمَّتها الحصول على المعلومات من مصدرها مباشرة لتتعامل الدولة الفرنسية على ضوئها في استخلاص مواقف أحياناً مُعلنة  تخدم مصالحها لا غير . الهواري بومدين مُغرم بالدعاية كان يميل لتقليد "ماوتسي تونغ" في هذا الشأن، بلغة يفهمها الشعب الجزائري دون اكتراث أغلبيته بالمصدر المقتبس منه مضامينها ، ، مع انحيازه تارة أخرى لطريقة "فديل كسترو" زعيم "كوبا" الشهير ، في تحريك الإعلام لترديد نفس الأسطوانة ، ليرتبط الشعب بحقيقة واحدة ، أن كوبا هي كاسترو ، وكاسترو هو كوبا ، ولا شي بينهما إلا استمرار تطبيق تعاليم العداء لأمريكا ، تماما كما شرع في انجازه الرئيس الجزائري تعميما لشعار : الهواري بومدين هو الجزائر ، والجزائر هي الهواري بومدين ، وما بينهما سو ى تطبيق تعاليم العداء للمملكة المغربية .

... بداية عزمتُ على تكسير التوجه الإعلامي الرسمي بإحياء لغة الضاد داخل الإذاعة الجزائرية ، فكان مسلسل "الشيطان" الذي ألفتُهُ لتنتجه نفس المؤسسة الإعلامية الهامة ، في حلقات ناطقة باللغة العربية ، الجامع كل الممثلات الجزائريات والممثلين الجزائريين العاملين في ذاك الجهاز، والمخصَّص له ميزانية تتمشَّى ومتطلبات نجاحه ، وآليات لتسجيل مؤثراته الصوتية الروسية الصنع التي وفَّرها "استديو" شارع لاَ رُوشْ بإدارة الأستاذ  أحمد بولعواد ، وإسناد مسؤولية الإخراج للأستاذ "الكيطاري" التونسي الجنسية . في تقرير سري تمكَّنتُ من قراءته بوسائلي الخاصة ، رفعه جهاز المخابرات الجزائرية لرئاسة الجمهورية ، ما تشير إليه  بعض الفقرات التالية المترجمة عن الفرنسية نقف على ما يلي  :

" مسلسل "الشيطان" لكاتبه المغربي مصطفى منيغ جعل العديد من شوارع العاصمة تبدو شبه فارغة خلال ساعة إذاعته ، ويشكِّل الأمر ظاهرة أعادت للإذاعة الوطنية قوة الحضور الإعلامي بشكل ملفت للنظر . المسلسل سياسي في الدرجة الأولى يهدف لتغيير العقلية المسيطرة بأخرى أكثر ملاءمة مع جزائر الديمقراطية والتمتع بالمساواة بعد كفاحها لطرد المستعمر وحجم التضحيات الجسام البالغة المليون ونصف المليون من شهداء خيرة الشعب الجزائري ..."، حقيقة لم يكن هذا معبراً في العمق عن الفكرة الأساسية المشيّدة للبناء الدرامي المُصور بإيحاءات فنية مندسَّة بأسلوب مبتكر جديد خلف حوار يحتاج لذكاء المتلقي حتى يفهمَ المكنون   عن الحالة الإدارية للنظام في الجزائر" . لذا بقي السؤال يُطرح بعد الانتهاء من إذاعة المسلسل في حوارات مفتوحة مع مثقفين وبخاصة المسرحيين منهم ، عن مقاصد المسلسل بتقديم شبح غير مرئي متحكم في كل شيء . لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل بلغ ما شجعني على الاستمرار في تنفيذ خطتي التي يحتاج نجاحها إلى حدوث معجزة كما ذكرت سابقا ، فبعد انتهائي من مناقشة مطولة مع الأستاذ الشيخ الدحاوي ذي المرتبة الموقرة والحضور الوازن داخل الإذاعة و والتلفزة الجزائرية ، تخص المسلسل الجديد "الحقيبة السوداء" الذي رغبت في تقديمه لإذاعة وهران تحت إشراف مديرها ، رغبتُ في احتساء كوب قهوة ، اتجهت للمصعد الرئيسي وضغطت على زر التوقف ، ولما فُتح الباب لم تصدق عيناي ما ترى ، الرئيس الهواري بومدين مرفوقاً بآخرين يشير إليَّ بالدخول ومصاحبتهم حيت مقهى ومطعم المؤسسة ، وهناك طلب منى الجلوس معهم وسط استغراب الحاضرين ليسألني : ماذا تقصد بالشيطان في مسلسلك ، لقد تتبعتُ حلقاته بالكامل فلم اعثر على أثره هل اعرف من يكون بواسطتك كمؤلف للعمل ؟.أجبته بهدوء واختصار لم يكن يتوقعه : قد يكون الآن بيننا ، ولا أحد يعرفه . نهض وانصرف وهو يوجه لي الكلام : سنلتقي وبصحبتي الشيطان مقيّد اليدين .(يتبع)

وجدتُ الجزائر في تلك الحِقبة امرأة دَهَنَت بالنَّفط شعرها ، لتجلب أطماع الراغبين في ودِّها ، بمقابل يطمعون في الحصول عليه منها ، براميل من الذهب الأسود  ذي الرائحة الناشرة إغراءها ، لصيد مواقف تقبل بأي طلعة منها ، صوب ما تريد داخل القارة السوداء الخاضعة لتيار ثورات تنفض بها غبار ما تحياه من انتكاسات اقتصادية خانقة تقضّ مضاجع حكامها ، امرأة أدخلت طموحها لبرنامج تجميل سطَّره "الهواري بومدين" ينأى عن تَرِكَةِ مَن سبقه للزعامة لغاية التخلص النهائي القطعي من الفكر الناصري ، الذي اعتمده أحمد بنبلة مهيمناً على بلاد تريد فرنسا أن تبقى في محيط ثقافتها حتى في الجزء المؤيد لسياستها الخارجية القائمة على تفريق شمل العرب من المحيط إلى الخليج بدافع فرّق تسود ليبقى الجميع طوع بنانها . امرأة أهملتها قساوة العادات المحافظة على مبادئ لا يكتمل جمال الأنثى إلا بها ، غير الحياء المُبالغ فيه نفاقاً الملجّم للأفواه المكسِّر أي محاولة للتعبير عن رأيها ، لتبقى منعزلة طائعة للأوامر منتجة لأولادها ، أكانت مع عمرو أو زيد لا مشكلة لها ، صابرة على توجيه كبراء الأسرة في سالف كمستقبل عمرها ، ما دام الاستعمار الفرنسي جاثم على قلبها وقلوب أولياء أمورها . بعد الاستقلال وجدت مصيرها متغيّر فما استطاعت كَتْم فرحتها، حيث خرجت للدنيا مبعثِرة طاقاتها ، على هذا وذاك تلبية لهوى صاحب كرسي تربَّع فوقه ليسلب كل حقوقها ، بأسلوب نفَّذه بالتدريج ليلهيها ، ولمَّا وصل الأمر لمعاداة المغرب شعرت أنه طاعن ظهرها ، بخنجر ما فكّرت رفعه على وجه مَن كان أيام مِحنها الطوال قبل وبعد استقلالها ، أفضل وأخلص وأقوى سندٍ لها  .

... تجولتُ بما يكفي لأقارن ما جئت به من معلومات وما استطعتُ إضافته في عين المكان موسِّعاً آفاق تحرُّكي المريح وصولاً لانجاز ما عزمتُ النيّة على انجازه مهما اعترضت تقدمي من عثرات ، قاطعاً المراحل بسرعةٍ لضيق تاريخ الفترة المنتهية بالشهادة فالرحيل عن هذه الدنيا ، أو تمكين الرئيس الهواري بومدين من فرصة تغيير موقفه من المغرب ، علما أن خوض مثل المعارك داخل الجزائر لا يسلم من مخاطر الفشل فتحمُّل أبشع أنواع العقاب المصحوب بالانتقام الأعمى المنعدم الشفقة أو الرحمة  ، لكن التأنِّي المُحكم الارتباط بذكاء التنقُّل بين الوقت المناسب والمكان الأنسب ، يؤهل الاستمرار تحت نفس الغطاء ، لدرجة الشعور بالارتياح ، مع التغلُّب على الغرور "هدية الطبيعة لذوي النفوس الضعيفة" كما وصفته الأديبة الفرنسية "جورج ساند" ، و التمكن من قناعة لا تقل أهمية ، أن الذكي من يقر بوجود من هو اذكي منه بكثير ، خاصة وجهاز المخابرات التابع لأوامر الهواري بومدين يتوفر على عناصر قوية التدريب  مزودة بآخر الآليات التقنية ابتكاراً الحاسبة على الهدف المشكوك فيه حتى الأنفاس ، أما العملاء الخارجين من دائرة الضوء ، فمصيبة أخرى تحتاج لجهدٍ استثنائي لتفادي شرورها الجزئية كالكلية .

... بعد مسلسل "الشيطان" واللقاء الصدفة الذي تمَّ بيني والرئيس الهواري بومدين ، أصبحتُ جذ معروف بين شرائح عدة من المجتمع في العاصمة ووهران وغيرهما من المدن الكبرى ، من تلك الشرائح  نخب ميادين شاغلة وظائف مهمة في الدولة ، والمنضوية بعضها تحت لواء جمعيات ، أكانت ثقافية التوجه  فنية الميول ، أو سياسية تحاول الإقلاع بمنظور مؤيد للنظام ، باستثناء أقلية معارضة بقيت وفية لأحمد بنبلة الموضوع في اقامة جبرية منعزلا عن العالم بأمر شخصي من صديق دربه الهواري بومدين .

 ذات صباح اتصل بي أحد مساعدي المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية  طالبا مني مرافقته للوقوف على أمر يخصني ، لبيت الأمر بكل سرور وتبعته لغاية مكتب أدخله لأول مرة يمثل محور تلك المؤسسة بواسطة مدير متمتع بصلاحيات تنفيذية مرتبطة بكل الاختصاصات الإعلامية الملونة بإرادة رئيس دولة ، يريد بواسطتها أن يكون الكل في الكل 24 ساعة على 24 ساعة ، وما يتطلبه الفاعل من مجتهدين ومبتكرين وأصحاب أفكار تبسط المطلوب بما يقرّب لعقول المواطنين ، بما يُذاع صوتاً أو يُرى صورةً ما يبذله الرئيس من مجهود لخلق دولة معاصرة قوية تليق بجزائر القرن العشرين الذائعة الصيت لدى المحافل الثورية عبر العالم ، ذات الكلمة المسموعة وبخاصة في دول عدم الانحياز والعديد من الأقطار الأسيوية وبعض الدول العربية ، بتحفظ يخفي ما يقلل من عدم اهتمام بالأخيرة لأسباب سأتطرق إليها لاحقا . رحَّب بي السيد المدير بكلمة مدح جعلتني أتأكد أن مسلسل "الشيطان" أدى أعظم دور خدمة للشخصية التي أصبحتُ مميَّزاً بمكانتها في عالم الكتابة الهادفة للتأثير الإيجابي على المجال السياسي صلب تدبير الشأن العام في بلد حديثة العهد بالاستقلال ، طبعاً السيد المدير لم يقتصر على إبداء رأيه في عملي السريع التقدم لما أحظى به من تقدير مُشرِّف ، بل نقل لي رغبة الرئيس الهواري بومدين أن أتولَّى إنتاج برامج تهدف شرح مضامين الثورات الثلاث المصاحبة انبعاث نظام جديد ، ينقل جزائر الحاضر إلى جزائر المستقبل ، بواسطة شجرة تدبير متكامل التنظير والتطبيق ، بفروع ثلاثة : الثورة الثقافية ، والثورة الصناعية ، والثورة الفلاحية ، وقد كُلّف أن يزودني بكل الدراسات المعمولة من طرف خبراء ، كل في مجال تخصُّصه وأيضاً ملاحق  تفصيلية مع وثائق أخرى تكميلية ، المطلوب مني قراءة كل مضامين مثل الملف الضخم الذي وضعه بين يداي للخروج منه بمشاريع برامج تذاع صوتا وصورة وفق ترتيبات زمنية سنحددها فيما بعد ، المهم أمامي أسبوعا واحدا لا غير ابتداء من الآن كي نلتقي في اجتماع خاص للاطلاع على نتاج اجتهادي في الموضوع ، وأخيرا أبلغني بوضع الإدارة كل احتياجاتي المادية وغيرها تصلني أولا بأول ، وإن احتجتُ لإضافات أخرى ما عليَّ إلاَّ الاتصال به  شخصياً ، مماَّ يجعل إقامتي مريحة وتنقلاتي مهما كانت الوِجهة فورية ، وقبل أن يودّعني بأدب جم ،  التمس مني أن أبقِي الموضوع برمته في طي الكتمان وشروط السرية المُطلقة. (يتبع)

وراء المسيرة الخضراء/الجزء 13

 

وراء المسيرة الخضراء/الجزء 13

تطوان : مصطفى منيغ

لم تكن الصَّدمة التي أصابت فكر الراحل الهواري بومدين بموقفِ ذاك المغربي الذي فَضَّل تلقِّي صدره رصاص الإعدام على خيانة المغرب المُقبل على موعدٍ لا يُنْسَى أبد الدَّهرِ مع مسيرة تحرير ما تَبقَّى مُحتلاً من أراضيه وفي طليعتها الصحراء المغربية ، بل أكثر من ذلك مَنَحَ لكل المتشككين (المقرَّبين لذاك المحيط التابع مباشرة لرئاسة الجمهورية الجزائرية تلك) في مصداقيةِ المغاربة المقيمين في تلك الجارة الشرقية (لأسبابٍ ومنها السياسية التي جَرَّت بعضهم إلي وضعيات عرَّضت حياتهم للخطر) في حبهم للوطن ومشاركتهم الفعلية لجعل نداء الملك الراحل الحسن الثاني مُلَبَّى بالحرف الواحد خارج المغرب ، بحماسٍ أشبَه ممَّا عَبَّأَ كل المغاربة في الداخل ، ما دام الهدف في مستوى انقادِ الأرض المغربية من معتقل الاستعمار الاسباني . أجل لم تكن الصدمَة هينة عليه ، خاصة وقد هيَّأت وسائل الإعلام الجزائرية المرئية ما يسجِّل الحدث بما يستحق من عناية قصوى يُدشِّن بها النظام حملته الشَّرسة على رمز مقدسات المغرب ، لكن هبَّت رياح ذاك الموقف النبيل من معربي لا يملك إلا سلاح لسانه الناطق الصادق بما يؤكِّد أنَّ المغاربة على موقفٍ واحد مهما كانت العواقب ومهما جرفتهم المخاطر إلى انتقام ظُلْمٍ فاقِدٍ لرحمة التعقُّل ولحكمة الحق ، فكان مصير ذاك الاجتماع المذكور آنفاً الفشل ، مما جعل أحد المسؤولين يطلبُ مِنِّي التشطيب على التسجيل وعدم تسريب أي معلومة تخص الموضوع حتى لأقرب الناس إليّ ، وخاصة للجهاز الإعلامي الذي اشتغل داخله مُنتجاً. للأسف الشديد لم تتوقَّف متابعة الرئيس شخصياً للموضوع ، بل منحَ حيِّزاً معتبَراً من وقت عمله ، للنَّظر في أنجعِ وسيلةٍ تجعل ملك المغرب يتوقف عند مرحلة الاستعداد لتلك المسيرة ، التي غيَّرت وجه التاريخ ليعتمدها بداية حق يُؤخَذُ مِن طرفِ صاحبِه بأرقَى نضال اعتمد السِّلْمَ القائم على النصر وما بعده مِن شرف مَكانَة مقامها الكريم المرصَّع فضاؤه بجواهر الإيمان ، المؤدي لخلق واقع لا يأتي به بَعْدَ وقوعه زمان ، تعود فيه الصحراء لأصلها المغربي مُذْ كانت و منذ المغرب أمة ودولة كان . ولطالما اجتمع بأهمِّ قادة جيشه للخروج بقرار تدخُّلٍ عسكري يُنهي خطة المغرب ، أو على الأقل يؤجَّلها لموعد تكون الجزائر أثناءه أكثر تأييداً من طرف دول افريقية ، لطرحها الذي ستسوِّقه بنشر استثمارات مغلَّفة بما يجلب لمصيدة ترك الضمير في ثلاجة ، بضغط من ظروف معينة ، بمعادلة رموزها مُجحفة ، يتَّجه لاعتمادها ولو بنتائجها السلبية ، كل يائسٍ لا حظَّ له قي إنجاح هدفه المشيَّد أساساً على باطل ، لكن معلومة مخابراتية أزاحت المواجهة العسكرية من مُخَيِّخِ الرئيس الهواري بومدين ، وأدخلت على كيانه الهدوء المشوب باستعجال الواقعة التي سيستغلها النظام الجزائري بكل مقومات أنصاره ومؤيديه  لفرض فرصة وضع اليد وبيسر على ممر أرضي صوبَ المحيط الأطلسي غَربا ، المعلومة ذهبت في مضمونها لقيام اسبانيا بشن غارة على كل مسيرة تجتاح حدود الصحراء المحتلَّة من طرفها، واسبانيا مشغولة في جمع كل المبررات لعملها ذاك وإحضارها ما يتناسب مع قوانين تُقَوِّي حظوظها للإفلات من أي عقوبات دولية قد تتعرض لها مستقبلا . تَأَتَّى لي سَمَاعُ المعلومةِ  بالصُّدفَة ، حينما دخلَ شخص يعملُ في جهاز المخابرات لمكتب مسؤول ، طلب مني الحضور لمناقشةٍ موضوعٍ كَلَّفَهُ الرئيس بجمْعِ اقتراحات حولَه ، ودون انتباهٍ بضغط فَرَحٍ رَفَعَه عن استعمال الحيطة مني كغريب غير موثوق في أمره ، وفجَّر المعلومة على سجيته بغير تحفُّظ ، ولمَّا فَطن لم يكن في وسعه إلاَّ الانسحاب  بوجهٍ تعالت سحنته الكآبة ، بعدها بأيام قررتُ انطلاقاً من موقعي التحرُّك نحو غاية ، وما أنبلها حينما تمتزج كلياً مع مصلحة وطني العليا ، لم أُعِر ادنَي اهتمام بما أعرِّض نفسي إليه ، فالتصفية الجسدية أيسر من ذبح دجاجة عند مكلفين ، قلوبهم الحجر الين منها ، شعورٌ صاحَبَ حماسي للتَّنفيذ ، غَمَرَ عقلي ملبياً المشي على هدى طريق مع الخطوة الأولى ، تتسارَع فوقه الخُطَى للنهاية ، دون الالتفات إلى الخلف ، أو السَّماح للخوف سبَبَ الوقوعِ فيما لا يٌحمَد عقباه ، داخل أمكنة الكل فيها يراقب الكل ، وهناك استفدتُ كثيراً مِن تجربةٍ تتلمذتُُ على يدها في قَرْيَة ، ربما تعرَّضَت لتهميش ردحاً من الوقت ، لاعتبارات سياسية لم تُفْهَم على حقيقتها ، ولم تُمثَّل بموقعها الاستراتيجي الشديد الأهمية ، ولم يُنْظَر إليها كمُجَمَّعٍ لقبائل لها رصيد كبير من الوطنية ، وصمود الدفاع عن الحدود المغربية المتداخلة بعضها ببعض مع الدولة الجزائرية ، أعْنِي بها قرية "بَرْكَنْتْ" المسماة حالياً "عَيْن بني مَطْهَرْ" الواقعة تحت النفوذ الترابي لإقليم جرادة ، البعيدة عن وجدة باثنين وثمانين كيلومتر ، التي تعلمتُ فوق هضبتها المشي ليلاً مسترشداً في الصيف بنجوم سمائها ، وشتاءً بمواقع معيَّنة غير مُبَيَّنَة لغريبٍ عن الحدود المشتركة في تلك الناحية بين المغرب والجزائر ، ووقفتُ على فائدة المواد المجفَّفة ك"الكْلِيلَة" والمجمَّدة القابلة للذوبان على الرمال الساخنة ك "الدْهَانْ"، والمشروب الساخن المُحَضَّر من"الشِّيحْ" وعشرات متعلقة بالبقاء حياً في قفار متوحشة ولو بمن فوقها حَضر، مِن حيوانات أصعرها بمثل كبيرها من حيث الخطر ، ولقنَّتني دروساً في تلقى المِحن والتغلُّب عليها منفردا ، وجعلَت مني حريصاً على التعامل بذكاء فوري مع مواقف لا وسط بين النجاة أو الهلاك داخلها إلاَّ بالدليل المُقنع الناتج عن التحدي الند للند لمن نفوذه أكبر ، وطبعه كالعلقم بل أمر ، ولسانه لا يحترم الأصغر منه أو الأكبر ، و الأهم من هذا كله بل أهم الأهم ، جعلتني والإنسان الجزائري (متى أريد) في كفة واحدة لهجةً وعَقْلِيَّة .

عين بني مطهر ، (كان اسمها ” بركنت Berguent” على اسم مكان بوادي شيدت على ضفته باللغة الأمازيغية) تابعة حاليا لإقليم جرادة، تبعد عن وجدة عاصمة المغرب الشرقي بحوالي 81 كيلومترا وعن مدينة فجيج بما يقارب 300 كيلومتر ولا يفصلها عن الحدود الجزائرية سوى 36 كيلومترا. عبر ترابها يمر خط أنبوب الغاز من مصدره “حاسي مسعود” صوب أوربا. تختزن من المياه الشيء الكثير. وإذا كان للصحراء باب فسيكون هو عين بني مطهر نفسها وليس سواها .
في عهد السلطان عبد العزيز المريني أراد المؤرخ الاجتماعي الشهير ابن خلدون زيارة المغرب قادما من مدينة “بسكرة” الجزائرية سكناه سنة 774 هجرية، وبوصوله "مليانة" جاء من يخبره أن عبد العزيز التحق بالرفيق الأعلى فاعتلى الحكم ابنه ، ومع ذلك واصل طريقه صوب فاس بمعية علي بن حسون والي السلطان المغربي على “مليانة” بحراسة جنود الوالي، وبوصولهم رأس العين (عين بني مطهر) اعترض طريقهم في مكان من وادي زا (وادي الشارف) جماعة من شيوخ عبد الله بن معقل من بني يغمور بأمر من سلطان “تلمسان” “ابَّا حموا” فنجا من المعركة ابن خلدون وتاه في تلك الأراضي إلى أن وصل “دبدو” ومنها التحق بفاس. السلطان إسماعيل بن على العلوي اتخذها موقعا استراتيجيا ومنطلقا لمحاربة أتراك الجزائر، لكن قبائل المنطقة خذلته وانهزم ، فعاد إليها بعد حين لينتقم منها شر  انتقام . لا يمكن للمقاومين الجزائريين التأريخ لتلك المراحل وهم يخوضون المعارك الشرسة ضد الغازي الفرنسي في الجنوب الغربي الجزائري بهدف تحرير بلادهم من ويلاته وأهدافه الدنيئة، دون الحديث عن الدور الذي قامت به “عين بني مطهر” المنتقل من المساندة المطلقة إلى المشاركة الكاملة، حيث أصبحت الخلفية القوية للمجاهدين بقيادة الشيخ بن الطيب البوشيخي البكري المعروف عند الفرنسيين انطلاقا من مواجهته لهم في “الشريعة شمال البيض” في الثاني من شهر ماي سنة 1845، معتمدا على من كان في “عين بني مطهر من قبيلة “المهابة” المنتشرة آنيا في “تيولي” و”النعيمة” المجاورة لمدينة العيون سيدي ملوك، الشيء الذي عَرّض عين بني مرة لانتقام مرير من طرف الفرنسيين بدءا بهجمة الجنرال ومفن (Wemphen) على الجنوب المغربي سنة 1870 اعتمادا أن “عين بني مطهر تشكل القاعدة الأساس لكل مقاومة جزائرية داخل جل المناطق الداخلية في جزائر تغلي حماسا غير مسبوق بنية طرد الاستعمار الحاقد الملحق الأذى بكرامة أمة جزائرية كريمة شريفة برز فيها الأمير عبد القادر وغيره كثير .
وكما سبق أن ذكرتُ خلَّف تحويل اسمها من “بركنت” إلى عين بني مطهر قصة ظريفة عِشت أطوارها مباشرة خلال إقامتي الطويلة هناك في أواسط ستينات القرن الماضي ، حيث سكنتُ منزلا مفعماً بالطيبوبة والكرم والشرف ، صاحبه الشريف "ميموني ميمون" رحمه الله، الكائن بحي يُدعَى “دوار الزياني”، كان على رأس السلطة المحلية قائد من “بني يزناسن” يسمى "علي"، له من الصرامة والحزم ما جعله مثار قلق بليغ داخل سكان تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب قاطبة ، رئيسه عامل (محافظ) لإقليم “وجدة” الشهير بمشاركته في انقلاب “الصخيرات” ضد الملك الراحل الحسن الثاني، ويتعلق الأمر بالعامل “الشلواطي” إن لم تخني الذاكرة، وفي اجتماع مصغَّر ترأسه القائد المذكور تنفيذا لمراسلة في الموضوع واردة عليه من العمالة (المحافظة) تقرر تغيير الاسم إلى “عين بني مطهر” الشيء الذي لم يرق جماعات من قبائل عريقة لها الوزن الثقيل في حضورها الاجتماعي داخل مساحة ترابية لا بأس بها ، التي رأت، في اختيار “المطهريين” ليحظوا بهذا التكريم، مجرد إهانة موجهة لها وتصغيراً لقيمتها التاريخية وتقزيما للدور الذي بذلته حفاظا على استقرار ووحدة التراب المغربي في تلك المنطقة الحدودية الشاسعة الأطراف، فغضبت غضبة لم تشف غليلها سوى أن يستيقظ السكان والقائد يفتح إسطبله ليجد جلد ثوره المدلل مسلوخا مُعلَّقا في الواجهة مكتوب عليه :” أنت سَمَّيتَ ونحن سَبّعْنا “، طبعا كاد القائد أن يُغمى عليه من الصدمة، وبخاصة أن الثور المذبوح أغلى ما كان يملكه افتخارا ومقاما ودرجة في الحكم المحلي، التحريات التي أجرتها السلطات المعنية لم تسفر على أي نتيجة تُذكر لتسجل القضية من ارتكاب مجهول، لكنها ظلت محفورة في أذهان من عاشوها جملة وتفصيلا ومنهم العبد لله .(يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 12

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 12

تطوان : مصطفى منيغ

في الطريق صوب "زوج بغال" لاستقبال الرفيقين بنيحيى العزاوي وبلعيد أبو يوسف مر شريط ما حدث بقيادتي كأنني أخطو به على أرض الواقع من جديد .

... كنتُ هناك في "للَاَّمَغْنِيَّة" و "بِلْعَبَّاسْ" و "تْلِمْسَان" و "وَهْرَانْ" مُتمعناً مُستكشفاً مُحاوِلاً أكثر وأزيد فهم العقلية الجزائرية ، والاطلاع عن كثب على التقاليد والعادات المعروف بها الشعب الجزائري المسلم الكريم ، فكوَّنتُ لنفسي رصيداً معرفيا أهلني للحديث عن ذاك البلد بما يستحق من أدب جم بأسلوب يغذي العقول بمعلومات تقرِّب الحقيقة لمدارك الغائبة عنهم لسبب من الأسباب ، فتيقنت ذات يوم من أوائل سبعينيات القرن الماضي وسط الرئيس الراحل الهواري بومدين وزمرة جد مقرَّبة إليه وهو الحاكم المُطلق بعد انقلاب مسلح على صديقه ووليّ نِعمته أحمد بنبلة ، تيقنتُ أن الشعب الجزائري محكوم من طرف عقلية أخرى أبعد ما تكون عن الجزائرية ، عقلية تتصارع داخلها أنانيات الشعور بالعظمة ، وسلبيات الحقد ، واتخاذ الظلم وسيلة تَصرّف لا علاقة له ببني البشر الطبيعيين وصولاً لمكاسب لا خير فيها أبداً ، والتخطيط الهادف للغدر ، وتفضيل التحالف مع الشيطان للتغلب على الحق ، وأشياء أخرى لا أريد الغوص في مفاهيمها . كنتُ هناك عايشت الحدث خطوة خطوة ، بل ساهمت في البعض منها خدمة لوطني المغرب كانسان ساقته الأقدار ليكون شاهداً على أشياء ظلت غير معروفة لدى المهتمين بملف الصحراء حتى الآن ، كمقدمة نسجها الراحل الهواري بومدين وهو يقف بها ضد المغرب والمغاربة ، بل يحفر بأفكاره وتوجيهاته وأموال الشعب الجزائري ما أراد به إحالة الحق المغربي التقدم في تنفيذ ملحمته الخالدة محرّرا أقاليمه الصحراوية سلمياً دون إراقة قطرة دم في مواجهته مع اسبانيا المحتلة الند للند .

. كنت في  الجزائر بعاصمتها "البومدينية" النظام والتوتر بادي على الحكومة بكل وزرائها الطائعين عن قناعة أو خوف ، تجتمع على تخطيط ما يضمن لها فشل المعرب الرسمي في استعادة ترابه الصحراوي متمسكاً بشرعية حكم لصالحه ، صادر عن محكمة "لاهاي" الدولية ، مدعيا (الهواري بومدين نفسه) أن القضية مجرد عمل منفرد قام به الملك الحسن الثاني بعيداً عن شعبه ، إلاّ أن استنتاجاته مخطئة في العمق ممَّا أثَّر على مختلف القرارات المتخذة في الموضوع ، المنتهية بالخذلان الفاضح لتخبط ذاك الرئيس ، على مختلف الميادين ومنها الخارجية  في المقام الأول ، ولم يدرك كنه المسألة إلاّ بعد تعرضه لتجربتين هامتين ساهمتُا في تغيير إستراتيجيته في العمل رأساً على عقب ، حيث استطاع الاطلاع مباشرة على العقلية المغربية الصرفة الملتصقة شديد ما يكون الالتصاق بالإخلاص للوطن ساعة الجد الجديِّ الذي ما بعده جد ، كنتُ قريباً لحظة وقوع الحدثين معاً ، بل وبصراحة مطلقة خدمة للتاريخ ، وتلقين الجيل الصاعد ما يُرسِّخ في ذهنه ثقافة الإخلاص للوطن مهما كانت الظروف قاصية للغاية ، ولا مناص  من التحدي أثناءها إمَّا الخلاص بالفوز أو السقوط في معركة الوغى بشرف وكرامة وعزة نفس ، وجنسية مغربية مُفتخر بها في تلك الديار الجزائرية ، ساهمتُ في إحدى الحدثين مباشرة بالحضور إتباعا لمهمة تسجيل ما جرى ، حيث اجتمع الرئيس الهواري بومدين مع جماعة من مغاربة مغضوب عليهم من طرف السلطات العليا المغربية تمكنوا من التسلل إلى الجزائر ، ليخاطبهم قائلاً :

"آنَ الأوان لتردوا للجزائر جزءا مما قدمته لكم من خدمات الرعاية والحماية من غضبة الملك ، ما عليكم إلاَّ القبول بمنحكم الجنسية الجزائرية لتتصرفوا في تنفيذكم ما ستمليه عليكم السلطات الجزائرية المختصة ، وكأنكم جزائريون قلباً وقالباً ، وإذا رفضتم الامتثال لما أنتم مطالبون القيام به ، سأسلمكم للحسن الثاني ليفعل بكم ما يشاء".

... في مثل المواقف تتجلى قوة التحمّل من عدمها، قد يغوص المَعْني برباطة جأشه في وحل القضاء المُبرم على كيانه لحظتها أو ينجى، حسب قدرته على التحكم في عواطفه المرسومة على ملامح وجهه، يتلقفها المراقب الواقف حياله ، المتحسس للأخطاء التي ارتُكبت مهما كانت دقيقة في وقوعها ، وتلك جزئيات لا يدركها إلاَّ المتخصصون النجباء في المهن المخابراتية . كادت عيناي تفسح الطريق لتنفجر الدموع متأثرة عما أحس به القلب من انفعال نبيل وذاك المتحدث المغربي الشجاع يصرخ في وجه الهواري بومدين :

" قد نكون ضد النظام المغربي لكننا لسنا ضد المغرب في استرجاع أرضه، يستحسن أن تعدمني فخامة الرئيس لأنني مصمم البقاء مغربياً مدافعاً عن مغربية الصحراء ".

شدني ذهول الرئيس الجزائري الذي وقعت على مسمعه كلمات ذاك المغربي بشدائد صاعقة أيقظته من غفلة عايش وهمها النازعة في ذهنه المغاربة عن جذورهم الثابتة وتلاحمهم مع مقدسات الوطن الملخصة في شعار الدولة الخالد: الله .. الوطن.. الملك، وتيقن منذ تلك اللحظة الرهيبة أنه ونظام حكمه سائر في ذات القضية ، بمنهجية لن تجر عليه إلا ضياع وقت الجزائر الثمين في خزعبلات ما أطلقتُ عليها في تلك المرحلة "الإمبراطورية البومدينية" الممتدة جغرافيا عبر أجزاء مهمة من التراب المغربي لتلامس مياه المحيط الأطلسي ، بتدبير يعتمد على تبذير عائدات البترول ، محور الاقتصاد الجزائري وأساس نمائه ، لكنها ظلت أحلاما وردية إلى أن بددتها تلك الجمل المحفورة معانيها في عمق تاريخ قضية الصراع الذي اصطنعت مقومات إطالته الجزائر الرسمية من جراء سياستها الرامية إلى تأخير التقدم المغربي وازدهاره ، مع الإبقاء على إلهاء الشعب الجزائري بمشكل بعيد كل البعد عن قضاياه المصيرية المرتبطة بحياته وهو صاحب ثروة تؤهله ليصبح من أغنى الشعوب وأزيدهم دخلا قوميا .

 ... كنتُ السبب لتصل الصورة كما التُقطت ساعتها عن ذاك الاجتماع المشهود ، فيراها الملك الراحل الحسن الثاني الذي ادخر مضمونها ليعلنها بعد ذلك دليلا لمقابلة الحسنى بالأحسن منها ، لينطقها كما خلدت إخلاص المغاربة لوطنهم من ضمن القيم الرفيعة الجاعلة من هذه الأرض الطيبة خزانا مُتَجَدِّداً عبر الحقب والأجيال للأبطال الأحرار القادرين على صيانة الوحدة الوطنية من طنجة إلى "الكورية" ، حيث نطقها  في إحدى خطبه الهامة : "إن الوطن غفور رحيم".(يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 11

 

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 11

تطوان : مصطفى منيغ

قررتُ المبيت معهما (العزاوي – أبو يوسف) لنراجع معا خطة الخروج من الجزائر بعد القيام بما هو مطلوب من كل واحد متا القيام به ، وتعاهدنا على الوفاء وسنصل لمعانقة التراب المغربي لنحتفل بما يليق والنصر المبين الذي سنكون قد حققناه بحول الله ورعايته .

... في ساعة الصفر وبعد الضربات الثلاث المعهودة إعلانا على بدء العرض المسرحي بحضور رئيس الجمهورية الجزائرية وكبار رجالات الدولة المدنية والعسكرية ، وقنوات تلفزيونية وكل وسائل الإعلام المكتوبة والمقروؤة والمرئية ، يُرفع الستار وكاتب ياسين يتوسط الخشبة مُرَدِّداً :

- صنعوها بي المغاربة .

في نفس اللحظة تتوجه طفلة حاملة باقة ورد ورسالة يقابلها الهواري بومدين مُبتسماً ، ويتسلم من يديها الصغيرتين الباقة والرسالة ليقرأ فيها مكتوبا بخط يد مصطفى منيغ :

- ستكون مسيرة خضراء رغماً عن أنفك .

... يوم 31 أكتوبر سنة 1975 فتح الباب على حين غرة واندفع مواطن مغربي مهرولا في اتجاه مسؤول وقف مذهولاً من فرط المفاجأة وبدت على وجهه علامات الخوف الممزوج بالغضب الشديد ، فصاح بأعلى صوته :

ما هذا ؟؟؟ ، من تكون ؟؟؟ ، وما هذه الطريقة التي اقتحمت بها مكتبي ؟؟؟ ، ألا تعرف مَن أكون ؟؟؟ .

- أجاب المواطن وقد تبعاه جنديان من القوات المساعد ليمسكا به :

أعرف أنك "محمد الدبي القدميري" عامل إقليم وجدة ، وأعلم أنني تجاوزتُ اللباقة والمجاملة في اقتحامي لمكتبك على هذه الطريقة غير المهذبة ، لكن ماذا افعل حياة رفيقين لي في خطر ولو انتظرت حتى تأذن لي بالدخول إليك ربما يُقضى الأمر ويصبحا في خبر كان ، المهم أسمي مصطفى منيغ والرفيقين اللذين أقصدهما في حديثي الآن على وشك الاقتراب من "زوج بغال"، المرجو الاتصال برجال الأمن ليفسحوا لهما الطريق فيدخلا بسلام إلى الأرض التي ضحينا نخن الثلاثة بما نملك من أجل التمسك بمحبتها والإخلاص لمقدساتها والمساهمة العملية  والفعلية في تحقيق مشاركتنا نحن القادمون من الجزائر العاصمة في المسيرة الخضراء ، رفع عامل الإقليم السماعة ليقول في محادثة تلفونية موجها خطابة لرئيس الأمن الإقليمي :

ألو ، السي بناني ، هناك شخصان سيقتحمان بعد لحظات عن طريق "زوج بعال" تكلف بهما ، سيلتحق بنقطة الحدود تلك الأستاذ مصطفى منيغ خالا ، لمساعدتكم التعرف عليهما من بعيد ، وسنبقى على اتصال لتوضيح الأمر أكثر . بعد ذلك توجه نحوي وخاطبني :

سأكون في انتظاركم لتناول الشاي في بيتي ولنتحدث مسهباً في الموضوع . أتجه نحو "المخازني" وأمره بوضع سيارة رسمية رهن إشارتي ، لم أمهل السيد العامل ليتم كلامه حتى جذبت ذاك "المخزني" في حركة تُظهر أن الوقت لا يرحم ، وانطلقنا للمكان المحدد وأملي أن التقي ثانية بالأخوين المذكورين من جديد كما وعدتهما ووعد الحر دين عليه .

المسيرة الخضراء/الجزء العاشر

 

المسيرة الخضراء/الجزء العاشر

تطوان : مصطفى منيغ

... وما تبعه من وصول موفد مصطفى الوالي محدداً تاريخ وتوقيت اللقاء ، فاقترحتُ الاقتصار في اللقاء المُرتقب على الموفد نفسه ويحيى العزاوي وبلعيد أبو يوسف   كخطوة أولى .قَبِلَ مخاطبي ذلك وخدَّد بنفسه الموعد والمكان شريطة " الويسكي" حاضر معنا وانصرف مبتسما ابتسامة لا زلتُ أري فيها غباء ما كنتُ أتصوَّر أن صحراوياً كيفما كان فكراً وتربية يصل لمستواه . أحببتُ ابتياع ذاك السائل الأصفر ، حتى يتمكن ذاك الصحراوي البائه وطته بسراب الوصول للانبطاح مهما نفذ وأنجز لأسياده في فريق مشرف على تأسيس جبهة ناقش في "كلميم" داخل المغرب مهامها واضعاً الأهداف وقبلها المبررات وبعدها الاستسلام الكلي لإرادة المخابرات العسكرية الجزائرية ، سألتُ فجاءني الرد أن المشروبات الكحولية جميعها معروضة للبيع في شارع "طنجة" ، زرتُ الشارع المذكور فوجدتُه كما يرمز كما تُردِّدُ بعض ألسنة المرضى بإشاعة الافتراءات كما أحبت السلطة الجزائرية نشرها بأسلوب رديء يزور ما يحياه المغرب في تلك المدينة من انحلال ومسخ ومنكر و تخدير للعقول البريئة ، لم أجد في تلك الدكاكين إلا الأصناف المستهلكة بكثرة والمناسبة الثمن ، "الويسكي" الجيّد لمهلة استحضاره مكلفاً الانتظار ليومين أو ثلاث ما تقديم ثمنه الحقيقي مُضاعفاً ، فما كان عليَّ سوى الاتصال بالقنصل العام للمملكة المغربية بالجزائر "بناني" ليلقاني على استعجال ، بالفعل ووجها لوجه أردتُ وضعه أمام مسؤولياته ، ، حتى وإن أظهر لي في مناسبة سابقة محدودية تدخله خوفا من الوقوع بين يدي سلطات الجزا\ر العليا متلبساً مهما كان الشيء متواضعا ، فلم أكن أجد إلا الإشفاق عليه ، وتركه وضميره ، زودني بقنينة معتبرة من الويسكي مطلعاً إياي على تفاصيل مصدرها وودعني على أمل أن أمده بنسخة من تقرير يشمل حدث اللقاء المعلوم بيني ومن يمثل تلك الجبهة وهي لا زالي في المهد تبحث عن مقر "تمويهي" لها في العاصمة .

... مساء يوم مشحون بالعديد من التحركات التي رصدتها نخص فريقاً من تلك الجماعة يؤمن مكان اللقاء بما يمنخ الإشارة الخضراء لمن مثلهم فيه ، طبعاً كلفتُ أبو يوسف ليتولى أمر القنينة وحمَّلته مسؤولية رئاسة الجلسة وبالتالي الانصراف بعد انصرافنا و ومعه القنينة بما فيها غلافها وما كانت ملفوفة به ليلتحق بنا في مكان قرب ّ"باب الوادي".

... لا اريد أن أذكر اسم ذاك الشخص الصحراوي لأسباب معيَّنة ليس المجال مجال ذكرها على الأقل الآن ، الذي أظهر سعادة تفضحه فيها عيناه والقنينة تفح أمامه ليأخذ من سائلها قدحاً جعله أبو يوسف متساوياً داخل كؤوسهم الثلاث ، وفجأة سألني :ألا تشاركنا الشراب يا أستاذ مصطفى منيغ ؟ .أجبته : ما تذوقته في حياتي وأتمنى أن أبقى بعيداً عنه وهل هذا يضايقك ؟ . قال : لا خذ راحتك سيدي الفاضل .

انتظر أن أفاتحه في الموضوع ولما أعياه الانتظار شرع في الحديث من تلقاء نفسه ، ولم يتوقف عن الكلام الذي سجلته برمته في ذاكرتي كما تعلَّمتُ لأحتفظ بالمعلومات القيمة الواردة فيه متى احتجت لاسترجاعها ، فكانت المرة الأولى التي تمكنا فيها من وضع اليد على القائمة الكاملة بأسماء رواد تلك الجبهة أكانوا داخل الجزائر ساعتها أو لا زالوا في المغرب بخاصة في جنوبه انتظاراً لتوزيع المهام عليهم هناك ، وأيضا الإطلاع على الشروط المتبادلة بين النظام الجزائري وتلك الجبهة ، والمراحل وما قد يتم داخلها بتصاعد زمني وصولاً لخلق كيان شرعي مستقل معروض لجلب الاغتراف الدولي به والإمكانات المادية والحماية اللوجستيكية والتكوين العسكري والتدريب المستمر على التدبير الإداري وأشياء أخرى .

... في لحظة ضعف صارحني العزاوي أن قضية الرجوع  إلى المغرب بعد "العملية" ضرب من الجنون وإصرارٌ مجاني للتخلي عما حققناه من حضور مشرِّف على الساحة الأدبية والفنية الجزائرية وفي وقت جد قصير ، بالإضافة إل الأموال التي توصلنا ولا نزال نتوصل بها كرواتب التي سنخسرها في اليوم التالي حينما تستيقظ الحكومة الجزائرية على الحرج الذي سببناه لها ، وسنصبح في خطر نعيشه حتى في ديارنا لما تحتضنه " وجدة" من مواطنين جزائريين من السهل أن يلحقنا أي ضر بواسطة أحد أو جماعة منهم .نعلم أننا هنا بفضلك أستاذ مصطفى منيغ ومساعدتك لنا ن ولكن الثمن الذي سنؤديه لا يُحتَمَل ، حتى حلمنا الذي بدأنا نشعر أننا في الطريق لترجمته واقعاً سيتبدّد هو الآخر بلا هوادة ، أجبنه بما يؤكد أن الخائن لوطنه خائن لأوطان غيره في أنسب فرصة ، فإن كان في الأولى تخلَّى عن هويته كأصل وجذور ، ففي الثانية يتخلى عن حريته وحق مواطنته . عليك أن تفهم أن العبقري في أي مجال قادر على ضمان رزقه حيث مسقط رأسه ، ولولا كفاءتك لما اعترف بك الجزائريون المتخصصون في الميدان ودفعوا لك راتباً ليجعلوك تتوهم أنك وصلتَ إلى القمة ، والحقيقية أنهم بقدر ما يستفيدون من علمك وتجربتك يملؤون بك الفراغ ريثما يجدون منهم من يملأه لانك تظل في أعينهم ذاك الغريب الأجنبي  المنبوذ في وطنه الأصلي ، إن كنتَ في حاجة إلى وظيفة فاعتبر نفسك موظفاً قي بلدك ووسط أولا دك وذويك وما أقوله عنك يسري مفعوله على أبو يوسف بلعيد ، ففي الوقت الذي قررتُ إحضاركما للجزائر لمساعدتي على تلقين الهواري بومدين درساً لا ينساه ، رتبتُ أموري جيداً ومنها مكافأتكما من طرفي كآخر معربي يثق في وطنه مفتخر بعظمة الأمة المغربية وبما قدمت للشعب الجزائري المِقدام البطل ختى خرر أرضه عكس ما يفعله الآن الهواري بومدين وزمرته الحاكمة المتآمرة علانية على مواصله المغرب تحرير ما بقي محتلا من ترابه .(يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء التاسع

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء التاسع

تطوان : مصطفى منيغ

... لم يشعرا بالطريق وقد أنهيناها بالدخول في بناية ، فطن بنيحيى العزاوي أن بداخل حجرة من حجراتها السفلى مصيبة تنتظر أحداً منا ، همس في أذني بسؤال تفجرت من مقلتيه دموعاً غزيرة ، حيتما أخبرته بما جعلني أطالب بتصفية "أبو يوسف" حالما بلغني أنه أنه ترفَّع عما أقدمتُ عليه ، ظنا أنني بمفردي أمزح وأنني لن أقدر على إرغامه كي يرضخ لنداء الوطن ، ، طلب مني بنيحيى العزاوي متوسلاً أن أمنحه فرصة ثانية حتى نبقى مجتمعين على كلمة واحدة ، محققين ما فهمته منك أستاذ مصطفى منيغ ، تلك المعجزة إن حرجنا من الجزائر سالمين ، أدرك أبو يوسف بما يجعله يشعر بالخطر على تفسه وقد تبين له أنني لا ألعب ، فاتجه نحوي وعانقني صامتاً ن ولما أجابنب بالامتثال لما نحن مقبلون عليه ، تدخلتُ لإيقاف كل إجراء كان على وشك أن يُطَبَّق ضده ، وقبل مغادرة المكان جعلتُ أحد المسؤولين يخاطب أبو يوسف قائلاً : لو كنتُ مكانكَ لنفَّذتُ بالحرف الواحد ما يطالبك القيام به الأستاذ مصطفى منيغ ، كنتَ مُراقَب من طرقنا كلَّفتنا أشغالاً كنا في غنى للقيام بها ، ولولا الأستاذ منيع فبل قليل ، لذبحناك قبل أن اذبحنا ، فكن في مستوى الثقة الذي جدَّدَها فيك ، واعلم أن وطنك هو المغرب وليس الجزائر .

 

... الاشتغال في الحقل في الحقل الأدبي بما في ذلك التأليف وبالجظائر تحديداً يتطلب المجهود المُضاعف ليشق أي انتاج ذي قيمة طريقه إلى النجاح فالانتشار ، خاصة إن كان من ورائه مغربي مثلي ، استطاع فرض وجوده في المجال اعتمادا على ما ابتكره من أسلوب جديد في الكتابة باللغة العربية الأصيلة ، المُقدمة الكلمات الأكثر تعريفاً للمعنى المراد إلحاقه بعقل المُتلقي ولا تغادره ، إذ تصبح مُضافة لما يحتاجه للتعبير بدقة عن رأيه أو موقفه إن تحدَّثَ للآخرين ، وبالتالي التمسك بما تهدف إليه من اختصاص لإظهار سرعة الفهم عند الذكي دون غيره ، في زمان التوجيهات التي أراد بها النظام أن تلامس عاطفة الجزائريين ، تغلُّباً على إخراجهم مما كانوا وأسلافهم ، والزج بهم داخل طبيعة مصطنعة لا تساير التدرُّج كسياسة إقناع لفرض الاستسلام للتغيير المطلوب ، وإنما لتنفيذ الأوامر دون مناقشة ربحاً للوقت ، وترسيخاً لنظام أقرَّه الهواري بومدين راغباً به دخول تاريخ الجزائر المستقلة كزعيم لا يُشَق له غبار .

... بعدما اطلعت على وثائق ذاك الملف وهي تبشر بقيام عصر الثورات الثلاث ، عسى أن يمحي بها الهواري بومدين الواصل بدفة الحكم بواسطة انقلاب غدر به أحمد بنبلة ، ولي نعمته الذي أبلغه لمنصب وزير الدفاع ن متهما إياه أنه أكثر مصرية من جنسيته الجزائرية ، ووقوعه في قبضة الرئيس جمال عبد الناصر ، تطبيقا لسياسة القومية الداعية لتوحيد لتوحيد العرب على كلمة واحدة ، ذاك التراث الملتصق عضويا بالهوية الجزائرية .

اختصاراً اشتغلت لحد ما بما هو أهم من ملاحقة الأحداث الطاغية على الساحة السياسية الرسمية الداخلية للجزائر ، المعتمدة لتنظيف العقليات من التعلق بذكرى أحمد بنبلة المعتقل في مكان محاط بالسرية المطلقة ، انشغلتُ بمحاولة التغرف وبالتفاصيل المملة على تلك الصفقة بين رفقاء مصطفى الوالي الذي سبق وتعرَّفت عليه في العاصمة الرباط مظهراً لي امتعاضه من قادة حزب الاستقلال الذين ترافعوا عن التحاور معه احتقاراً لشخصه ، والهواري بومدين حينما قرر تجنيد عصابة إرهابية تؤسس لما يعرقل  مجهودات المملكة المغربية في شأن استرجاع الأقاليم الصحراوية إلى الوطن الأب ، جاء ذاك الاهتمام عقب ما ابلغني به كاتب ياسين عن رغبة بغض الصحراويين الاتصال بي لاضافة ما قد يقترحونه كرسالات موجهة للملك الحسن الثاني ، من داخل حوار مسرحية "المسيرة الحمراء" (يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثامن

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثامن

تطوان : مصطفى منيغ

قلتُ له :

ما قيمة الممثل المسرحي إن عجز على تقمّص أي دور اختير لأدائه في أية مسرحية تعالج أي موضوع ؟ . لقد جذبك الفن المسرحي وقادر أنت به فرض وجودك كممثل بداية ، ثم ما تريد فيه أن تضيف خدمة لمستقبلك في هذا الميدان ، أعلم أن النص قذف بك لما قام به الجنرال "أفقير" الذي اختارك المخرج لتتقمَّص شخصيته في المسرحية ، طبعاً ربطت إتقانك للأداء بالتعمُّق في فهم ما خصه بك الحوار ، وهذا أمر إن فكرتَ فيه لن تستطيع التميّز داخل توقيت معيَّن فقط ، بعدها ستعلم أنك قمتَ بشيء رائع سيذكرك بسببه التاريخ ، فانصرف لغايتك وعش أيامك هنا بصورة طبيعية وتجنَّب ما أمكن النقاش في الموضوع مع أي كان حتى لا تخسر مكانك ويذوب راتبك ، وتذكَّر أنك في قلب الجزائر وليس جالساً معي في مقهى "البؤساء"بوجدة . أبو يوسف وقد أسند له دور يُعتبر مفتاح المسرحية التي إن ضاع أغلق الباب عن تركيباتها وساد الصمت كأن الزمن توقَّف صدفة فانطفأ الضوء وانهار كل شيءوراح المجخود برمَّته هباء ، مُنِحَ دور يتجسد فيه شخصية الملك الحسن الثاني ، وهكذا أصبح هيكل العمل مُقسَّماً بين "العزاوي" و"أبو يوسف" ، في تسلسل للمشاهد مربوطة بعضها البعض بحضورهما كمحور قائم من البداية إلى النهاية يجعل غيابهما معناه غياب المسرحية ذاتها أصلاً ، وهنا تجلى الابتكار في كتابة سطحها فنيّ واضح وجوهرها نيَّة مبيتة ، لا يحسّ بكارثتها الآ الكاتب مصطفى منيغ ولا أحد غيره . وصلت اللحظة الكفيلة بعد التقييم ، لوضع كل واحد منا أمام مسؤولياته ، بالإطلاع على معنى الارتباط الحقيقي بالوطن ، ومدى القدرة على التضحية من أجل قضيته المصيرية ، الممثَّلَة في تحرير جزء من ترابه بواسطة مسيرة سلمية شغلت العالم كشيء غير مألوف موجه لطرد احتلال دولة في حجم اسبانيا عن أقاليم صحراوية مالكها المغرب ولا أحد سواه .طبعاً لم يكن الفقر مقياسا ولا استبداله بالغنى استسلاماً من عند الواثق من تغلُّبِ الإخلاص للمغرب على الخيانة له ، بل هو قرار وليس فرار ، وواجب مُقَدَّر ، لا يتطلب في وقت حاسم التشدُّد في كتم الأسرار ، لهذا أطلعت الأخوين بعدما أمَّنت السير قدماً ، حتى ولو سوَّلت لأحد منهما نفسه التخلي عن فضيلة التشبث بالاستشهاد سبيل إحقاق حق المغرب فيما دعا إليه الملك الحسن الثاني مبدع المسيرة الخضراء من أجل استرجاع المغرب الصحراء .

ذكرتهما بما يلي :

لي من المنافع الشخصية ما أبرر بها بقائي داخل الجزائر ، وما أستطيع به جني ثمار أعمالي الفكرية والفنية والإعلامية ، مكوناً ثروة مالية ومعنوية تضمن لي وأسرتي الصغيرة بحبوحة عيش وأمن إقامة وشهرة يطمح لبريقها كل كاتب أديب أو فنان مبدع وإعلامي عارف للصنعة ، متدرِّبعلى المهنة ، الدليل ما وصلت إليه من تكوين علاقات مع بعض رجالات الدولة محترماً نفسي ، مما يمهِّد لي النجاح تلو النجاح تلو النجاح ، ومع ذلك أضع كل تلك الأشياء في كفة وحبي لوطني في كفة أخرى ، وأشعر أن أثقل وزناً وقيمة ومكسباً من الأولى ، لذا أنا مقبل على نقشها في جبين الجزائر الرسمية كلمات لا تُنسى : المغربي المحب لوطنه غير قابل للبيع ولو بمنتوج النفط الجزائري منذ اكتشافه إلى لحظة جفافه ، (يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السابع

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السابع

تطوان : مصطفى منيغ

بنيحيى العزاوي رشَّح لي الأخ "أبو يوسف بلعيد" ، في الحقيقة سبق لي معرفته كمؤلف مسرحي من مدة ، وأيضا محافظاً بمكتبة الإذاعة الجهوية بوجدة ، عِلماً أن علاقتي به ظلت دوماً محدودة للغاية ، اتصلت له لمناقشة الفكرة فوجدته عكس ما تهيَّأ لي مستعداً للانتقال معنا مجرِّبا حظه في الجزائر دون التفاتته للعلاقات الثنائية المغربية الجزائرية إن كانت قابلة لتخفيف التوار أو تصعيده ، ، ما همة ساعتها سوى الراتب الذي من الممكن أن يتوصل به ، إن أسعفه الحظ  ونجح في الامتحان

عدتُ للجزائر العاصمة ومعي الرجلين اللذين سأضعهما في مكان ميقدم يطابق العملية التي هندستُ تصميمها بالكامل ، وتحملتُ مسؤولية إنجاحها مهما كان الثمن المُقَدَّم إن فشلت (لخطا ما )حياتي . لم أطلعهما بداية على أي شيء ولم أرد أن يشعرا أنهما تحت سيطرتي ، لكي ينطلقا معتمدين على نفسيهما ، فقط ساعدتهما في الدخول لاجراء اختبار تحت إشراف الأستاذ "أحمد بولعواد"  ، يخرجان منه مؤهلين لحصول كل منهما على وظيفة "ممثل إذاعي" أم لا1النتيجة كانت طيبة بالكامل ، وحسب ما رتَّبتُ لسبب واصل لشرحه متعلق بانتقالهما إلى فرقة وزارة العمل المسرحية ، حتى إذا اتصل بي كاتب ياسين مستفسراً عن الممثلين اللذين استقدمتهما من المغرب أخبرته أنهم فضلوا العمل بالإذاعة والتلفزة وقد مرا من امتحان أُجرِيَ عليهما أنهيانه بنجاح ، وما عليه إلا الاتصال بهما في محاولة إقناعهما بالتحول لفرقته حتى يستعين بهما في انجاز مسرحية "المسيرة الحمراء" وفق المتفق عليه بيننا ، فعلت ذلك حتى أُبعِدَ فكرة التنسيق المسبق وما شابه ذلك من تعاون بيننا نحن المغاربة الثلاث ، قد يُفسَّر في غير محله ، وحتى يطمئن مَن يتحرك ورائي في الخفاء ، أن الأمور كلها بين يدي كاتب ياسين بما فيا جلبه وتحكمه المطلق في العناصر المغربية المشاركة أساسا في المسرحية تلك الملعونة ن بع أيام ثلاثة اتصل بي "بنيحيى العزاوي" ليطلعني أنه و"أبو يوسف بلعيد"تمكنا من إجراء اتفاق مع كاتب ياسين لينتقلا بموجبه إلى فرقة وزارة العمل المسرحية ، مقابل أجرة ما كانا ليحلما ولو بربع قيمتها ، فتيقنتُ أن خطتي نجحت وعلي الاستعداد في اليوم الموالي لمواجهة شؤون كتابة نص الحوار ، ومناقشته في العمق مع خبراء فن المسرح والسياسة البومدينية الرسمية للبلاد ، حيث يتفق المَشْهود لهم بالكفاءة الفكرية في الجزائر ، أن النص المكتوب  من طرف مصطفى منيغ ، تَحَدَّى الجودة إلى مس وجدان  المتلقين لمضمونه ، بما يؤثر فيها لدرجة تحميس أصحابها لتأييد ما يحتاج التأييد ، وأكثر لمباركة الخطوات الواجب قطعها وصولاً لتبرير الغاية المقصودة ، بأنها واجب على الجزائر حاكمين ومحكومين القيام به ، تمشياُ مع مبادئها القاضية منذ الاتفاق على اتخاذها رمزاً يرفع شأنها في كل الدول المحبة لتحرير الأقلية المقهورة من قيود الأغلبية المُسيطرة .

وحينما أشار المتضلعون في لب سياسة الحكم في الجزائر المكلفون بحمايتها بأعز ما يكون ، للإقرار أن ما كتب مصطفى منيغ للمسرحية من حوار ، سيفتح أمامه باب كل مؤسسة سياسية ليحظى بمنصب وأتم استقرار ، إن فكر وقرر أن يبقى في الجزائر كأفضل اختيار . ما عساه يبقى لكاتب ياسين ما يقول غير ما أعلنه ، بل أمر به حتى ينطلق العمل في أحسن الظروف  فيتم توزيع الأدوار والقراءة الإيطالية للنص  الحوار .

... مذهولاً عبَّر "بنيحيى العزاوي" وهو يخاطبني عن أمر بدا له  في غاية الغرابة ، طالباً مني التوضيح الصريح ليفهم الدور الذي يلعبه في القضية برمتها ، وكيف وصلت لأحرِّكً خيوطاً في حجم أصحابها ، لأكون رائدا في ثمت للعمل الذي نحن مطالبون القيام به حرفياً ودون نقاش . .

أجبته : (يتبع)

(الصورة: مدينة وجدة)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء السادس

                            تطوان : مصطفى منيغ            

إدراكا حقيقيا أحس بالمنطق في جرأة يصارحني أن النتيجة المتوخاة من طرفي تبقى عسيرة المنال إن لم تكن مستحيلة ، فكيف يتحدى مواطن مغربي بسيط مثلي ، لا يملك إلا قلماً وأوراق بيضاء يملؤها فكره بما منحه العلي القدير من موهبة على الإقناع ، وتشبثا بما تفرضه عليه تربية وطنية تتنكر للذات وتفضل ترك أي بصمة رافعة من شأن المغرب دولة وأمة ، أجل كيف يتحدى مثل المواطن دولة في حجم الجزائر الرسمية ، بما لها من عيون مبتوتة في كل مكان حساس ، تنقل للجيش والشرطة والدرك تقارير عن كل صغيرة وكبيرة تخص كل شيء ، تجعل من فسيفساء الأجهزة المخابراتية المتعددة التخصصات الموحدة على نفس المسؤولية ، في حالة استنفار متواصل ، وبخاصة في تلك الأيام والعلاقات المغربية الجزائرية ، على جميع الأصعدة ، بلغت من التوتر حداُ قابلاً للانفجار في أية لحظة ، لا يتحدى ذاك المواطن واسمه مصطفى منيغ تلك الدولة وحسب ، بل يتحداها ويحقق ما أراده وخطط له ، ويخرج منها سالماً ن رافعاً اللواء المغربي خفاقاً بالمجد والعزة والسؤدد ، ملتحقا بالمسيرة الخضراء ستة أيام قبل انطلاقها.

... استعجلني كاتب ياسين بإحضار الممثلين المغاربة ، فعلمتُ أن الضوء الأخضر أُعطِيَ لاستمر في تنفيذ مخططي وألِج به المرحلة الثانية المرتبطة بوضع الأُسس الكفيلة بإقامة عناصر إنجاح العمل / العملية فوقها ، وتحديد أوقات الأشواط الواجب قطعها مع توفير حاجيات التحرك صوب الأمام ، وبالتالي خارج التراب الجزائري مادياً ومعنوياً ، وما يتطلب ذلك من دقة من مواعيد ، لتأتي اللحظة الحاسمة منهية كل شيء بما يؤرخ انتصار الحق المغربي على الباطل الجزائري .

... في مدينة وجدة (وبها بضع جواسيس النظام الجزائري) أردت أن تتم جل اتصالاتي على الوجه المكشوف بهدف إبعاد كل الظنون التي لا زالت بقايا شكوك مختمرة حسِبَت في جحرها الكائن بشارع الكولونيل لطفي بالجزائر العاصمة ، أنها بذلك أذكى الأذكياء ، ، لكن الواقع والنتيجة المُحصَّل عليها من طرفي ، أظهرت بشكل يدعو للاستغراب ، مستوى غباء ملازم لمحاولات هؤلاء تبرير المجهودات المبذولة من طرفهم ، النائية عن ضبط وإحضار أي دليل مقنع أنني لن أكون إلا مترفعاً عما تخطط حكومتهم ضد المغرب ، حتى مقهى "لاكُلومْبْ" لم أزرها حى لا أعطي الفرصة لذاك المسؤول المخابراتي الجزائري أنني التقيت فيها بالسيد "السوسي"المشرف على صنف من المخابرات المغربية في مدينة وجدة ، الذي كان أحد زبناء نفس المقهى . كنت على علم أن الشاب "بنيحيى العزاوي"روحه متعلقة بالمسرح وذهنه مشبع بتطلعه للنجاح كممثل عالمي وحبه مقتصر على خشبة تُرفَع عنها ستارة بعد الضربات الثلاث فيظهر صارخاً ميمنة وميسرة ببضع جمل : "سيعترف بي العالم ذات يوم بكوني أعظم ممثل عرفه أبو الفنون المسرح على امتداد التاريخ ". ثم يصمت مانحاً الفرصة لتلقي تصفيقات الجمهور . هكذا تخيلتُ هذا الشاب ونحن نتجاذب أطراف الحديث فوق سطح السوق المُغَطَّى  ، حيث في جانب منه غرفة وضعها المجلس البلدي رهن إشارة فرقة مسرحية . لم أجد أي صعوبة ليقبل بمرافقتي للعمل في الجزائر ممثلاً مسرحياً لكنه ربط سفره باتصالي المباشر بزوجته الممرضة بمستشفى "الفارابي" و إقناعها بالسماح له على الابتعاد عن البيت ، وهذا ما حصل مع تلك السيدة الفاضلة والأم المثالية المربية لأولادها أحين تربية ن ولا زالت كلماتها ترن في أذني إلى الآن :

"الأستاذ مصطفى منيغ ، لم أسمع عنك إلا ما يجعلني أحترمك وأفتخر بمعرفتك ، إن اختيارك لزوجي كي يرافقك للجزائر في هذا التوقيت بالذات حيث العلاقات بيننا والجزائر ليست على ما يُرام ، يجعلني ألتمس منك أن ترده لي سالماً لغاية هذا البيت ن أتعاهدني على ذلك" .؟

أجبتها على الفور :

"أعاهدك ما دمتُ حياً ، وأيضاً أن أضعه على الطريق الكفيل بضمان مستقبله" . (يتبع) 

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الخامس

تطوان : مصطفى منيغ

... أصبح الحذر سمة فارضة نفسها بجدية ، فاليوم ندشن بداية التحضيرات الأولية ومحاولة بناء القالب الدرامي للعمل المسرحي الكبير ، كما جاء به تصور كاتب ياسين ومن معه ، ومفروض عليَّ ترجمته حواراً يجسِّد ما قد يصبح علامة بارزة على تدخل الجزائر في شؤون جارتها الداخلية ،الحقيقة كم هو صعب عليَّ إخفاء عدم رغبتي القيام بعمل وأنا بالفعل أقوم له ، جزءا لا يتجزأ من خطة اعتمدتها وصولا للحظة الصفر المنشودة عن قناعة أن مثل الصعوبة تتبخر بالدفاع عن قضية وطني داخل جو ملوَّث بالحقد عليه من طرف حكام بعضهم ترعرعوا داخل ترابه كما وقع للهواري بومدين الرئيس ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة في مدينتي "أَحْفِيرْ" حيث اشتغل في محطة وقود بالنسبة للأول ، و وجدة فيما يخص الثاني الذي كان يتعلم الحلاقة في دكان لا زال كائنا في شارع مراكش إلى الآن .

أقنعتُ كاتب ياسين أن المسرحية وقد اختار لها الهواري بومدين نفسه ، عنوان "المسيرة الحمراء" ، لن تؤدي دورها السياسي المؤثر لدى الرأي العام المحلي والدولي ولن تزرع مفعولها المحدَّد كمفهوم لموقف الجزائر الرسمي من الحدث في أذهان القائمين على بسط ما يوقف الزحف المغربي لاسترداد الصحراء ، إلا إن كانت المسرحية مجسَّمة على الخشبة لممثلين مغاربة ، لما يرمز ذلك عن وجود معارضة قوية من داخل المغرب ، غير راضية على المسيرة الخضراء ، وما قد تتسبب فيه من تفجير خطير يطال استقرار المغرب العربي ،وأخبرته أنني راحل إلى مدينة "وجدة" لجلب مثل الممثلين الأكفاء القادرين على تشخيص الرئيسية بإتقان يثير إعجاب الجميع ، وعليه الاتصال بالوزير المعزوزي كي يلحقهم موظفين بالفرقة التابعة لوزارة العمل الحامل حقيبة مسؤوليتها في الحكومة الجزائرية مما يضمن لهم البقاء في الجزائر حتى لا يتعرضون لأي انتقام إن فكروا في العودة لوطنهم بفرط الحاجة .

... بالتأكيد كنتُ على اتصال بالقنصل العام للمملكة المغربية بالجمهورية الجزائرية ، في وقت غاب فيه السيد "السنوسي"السفير المغربي لأسباب ظلت غير مفهومة ولا معللة لدى الحكام المحليين ، كنت على ثقة أن القنصل العام "بناني" ن وعرفته "باشا" على مدينة "القصر الكبير"، حيث لقبوه أهاليها بصاحب القلبين ، ، كنتُ على يقين بمحدودية تحركاته مهما كانت المواضيع والأفكار المطروحة تستوجب السرعة في التعامل والمعالجة  ، امتثالا لما تفرزه حالات التوتر من غليان المفروض مواجهنها بتضامن وثيق بين أفراد الجالية المقيمة هناك ، ومن يمثل دولتهم شرعاً وقانونا ، لذا أطلعته على القشور ما دامت مساهماته ظلت متواضعة لدرجة مدعاة للأسف الشديد ، كم من معلومة ضيَّعَ قيمتها وكم وكم وكم ، لكنه التاريخ صفحات من حقائق مكمِّلة أحداثها بعضها بعضاً أردتُ طرحَ تفاصيلها هنا ، لم يكن نفس القنصل العام أنني سأغادر الجزائر حياً ، لكن الأعمار بيد الله ، في نقاش دار بيني والسيد "إدريس البصري"وزير الداخلية ساعتها ، أطلعني على أشياء الأسوأ فيها الصعود على ظهر الغير وصولا لمنصب لا يستحقه ، لقد عُيّنَ القنصل العام المذكور "عاملا " على إقليم "الصويرة" بفضل مجهودات جبارة نسبها لنفسه والحقيقة أم مصطفى منيغ مَن عرَّش حياته للخطر وأنجزها برمتها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

... اتصل بي كاتب ياسين ض وكنت ساعتها صحبة الفنانة "جليلة عابد" حرم زميلي تيسير عقلة ، أتفق معها على لحن أعدته خصيصاً لها مناسبا لصوتها ، وأخبرني أنه في الطريق إلى مقر الإذاعة والتلفزيون ن فيأخذني من هناك للقاء شخصية مهمة لم يفصح عن اسمها ، بالفعل استقبلنا الشخص المغني (والمسؤول الكبير ، إن صح التعبير في فيلا أنيقة تتوسط حذيقو مهتم بها من طرف متخصص لما يظهر فيها من تنسيق يثير اهتمام من كان مثلي يدقق في عمق ما يراه ، فتيقنت أن المكان رسمي للغاية ، قد يكون موضوع رهن إشارة مصلحة من المصالح المخابراتية ذات العلاقة المباشرة مع رئاسة الحمهورية الجزائرية ، حاولت التركيز ما أمكن للخروج من هذا اللقاء المبهم ناجحاً بكل المقاييس المطلوبة . بداية وجدت نفسي وسط عقلين لشخصين متعاونين لاستخراج ما اتفقا مسبقاً على استخراجه  من عقلي ، وإن كان الأسلوب يبدو طبيعياً إلا أن الأسئلة المطروحة عليّ من صنف أكد لي أن طارحها "مخابراتي" متنكراً في لباس لا يواتيه أصلاً ن ، وحتى الفيلا ليست بيته بالمطلق ، استطعت التكيُّف مع مواجهة غير متكافئة انطلاقاً من وجودي منفرداً حيال عدد من التقنيين المندسين في أمكنة معدة للتسجيل بالصوت والصورة ، وكثر من ذلك ما يطلق عليه المختبر الفكري المتنقل لتبادل الحكم على المعلومات المصرح بها كأجوبة (على ما يُطرح كأسءلة معدة بدهاء صعب إدراك ما ترمي اليه للإحترازمنها في ذات اللحظة) ، إن كانت صحيحة على درجة مقبولة من الصدق أو لا .

سألني صاحب البيت الافتراضي :

هو / أتعرف مدينة وجدة جيداً ؟

أنا / كمعرفتي بالجزائر العاصمة

هو / كيف ؟

أنا / ما يهمني من أي مدينة الجزء الذي يناسب تحركاتي العملية / المهنية ، اتصالاتي المجتمعية كإنسان يشق طريقه في الحياة .

هو / هل تفصح عن ذاك الجزء المقصود في كلامك وأنت في مدينة وجدة ؟

أنا / ساحة البحر المقابلة لمقر البلدية ، وصولا إلى السوق المغطى ، حيث مقهى تواجه بناية المحكمة الابتدائية ن شخصياَ أطلقت عليها اسم "البؤساء القارب من إذاعة وجدة الجهوية .

هو / أخر الذين قابلتهم هماك ؟

أنا / قاسم اجداين ، قضاض المنور ، يحيى الكوراري ، عمر بلشهب .

هو / أكنت من زبناء مقهى " لا كولومبو" ؟

أنأ / زبون عابر .

هو / باحثا عن أحد معي .

أنا / عن عمر بلشهب مدير إذاعة وجدة الجهوية سائلا إن كانت المؤسسة في حاجة إلى برامج جديدة انتجها لفائدتها وحينما اظلعت على النتيجة السلبية قررت الرحيل الفوري إلي العزيزة الجزائر، والباقي قد تكون عرفته من الزميل كاتب ياسين .

هو / هل ستجلب أبطال مسرحيتك " المسيرة الحمراء"من ذاك الجزء الوجدي المتحدَّث عنه أم من جهة أخرى ، داخل نفس المدينة أو خارجها ؟

 

أنا / أولا المسرحية ليست مسرحيتي ، بل كلفتوزارة العمل في الحكومة الجزائرية الحالية صديقنا المشترك كاتب ياسين للإشراف عليها ، علما أن عنوان "المسيرة الحمراء " مختار من الدوائر العليا ن والغلاف المالي المغطي لمصارف انجازها مخصص من ميزانية الوزارة المذكورة ، المأخوذة أصلا من أصلا من الميزانية العامة للدولة الجزائرية ، شخصيا كُلِّفتُ بمقاسمة كتابة نص الحوار المسرحي مع نفس الصديق وأيضا المساهمة لما أراه يقرب فكرة الحدث المعالج في قالب فني للواقع المعاش ، وفي هذا الصدد اقترحتُ أن تُنسب الأدوار الأساسية لإلى ممثلين مغاربة يعلن على أسمائهم وبلدهم الأصلي لضر ب عصفورين بحجر واحد ، لذا أنا ذاهب إلى وجدة    على أمل أن أجد من يقوم بالمشاركة في هذا العمل الضخم الذي سيُعرض مَن له وزن في هذه الدولة الوازنة لا في إفريقيا وحسب ولكن عبر العالم .

هو / مبدئيا شيء رائع . هل من الممكن مغرفة العصفورين اللذين سيتم ضربهما بحجر واحد أستاذ مصطفى منيغ ؟.

أنا / أولاً الإعلان عن بروز معارضة مغربية للمسيرة الخضراء عن طريق هؤلاء الفنانين المغاربة وهم يشخصون العَرض مباشرة بأنفسهم من خلال حوار واضح يقر بذلك ، ثانيا إبعاد التهمة عن الحكومة الجزائرية بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة مجاورة ، بما يعينها مستقبلاً على ف رض أي جواب لسؤال قد يُطرح بهذا المعنى في مجلس الأمن أو في إحدى الجلسات العمومية لهيأة الأمم المتحدة .

... لهذا الحد وصل بنا المقال في ذلك المقام ليبدأ ما يدل على طمأنة العبد لله بكونه أصبح مخل ثقة ، ومع ذلك رافقت الحذر في أي اتجاه قصدته ، ولم أظهر أية علامة قد تلحق أدنى شك في مصداقية ما أدعيه لدى الطرف الجزائري ، بل كل المؤشرات متى زرتُ موقعاً حكومياً له ارتباط بالثقافة والإعلام ، تؤكَّد لي نجاح خطتي بدقة ما كنتُ أتصورها لولا محبتي لوطني واقتناعي بمستوى التضحية التي سأبذلها مساهمة في تحرير الصحراء المغربية انطلاقاً من قلب الجزائر.(يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الرابع

 

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الرابع

بغداد : مصطفى منيغ

... أصبحتُ معروفاً لدى شرائح عدة من المجتمع الجزائري ، وكذا النخبة المُميَّزة الشاغلة بعض وظائف الدولة ، المهم فالأهم فيها ومنها، وأيضا الشاملة تلقائياًبعض الشخصيات ذات الصيت الدولي كالأديب والمؤلف الروائي العبقري المُغترف بكتاباته فطاحلة الأدب والفن المسرحي الفرنسيين  "كاتب ياسين" الذي اتصل بي طارحاً عليَّ مقاسمته عملاً مسرحياً ضخماً ، موضوع لتنفيذه غلاف مالي يفوق متطلبات إنتاجه بكثير ، تمَّ اللقاء بيننا في جلستين ، الأولى في بيته خُصِّص للتعارف أكثر وأزيد ، فالتحاور المباشر الحر في مجال تقنية التأليف المسرحي كنص ناقل الخيال كواقع ناحرك زمنا ومكانا فوق خشبة محدودة المساحة ، بحضور متفرجين من أعمار مختلفة وإمكانات فكرية متباينة ، بهدف تبليغ رسالة ما لإشغال العامة بفكرة ما ، تفرض نفسها إن جاء العمل بأركانه الخمسة ناجحاً ، أما الثانية فداخل بناية كائنة بشارع الكولونيل لطفي مهجورة ظلت لردح من الزمان تسلمتها وزارة العمل من الفرنسيين بعد رحيلهم ن ليضعها الوزير المعزوزي كمقر لتنفيذ المشروع ، وقد ارتبطت هذه الجلسة بدراسة الخطوط العريضة لمسرحية تريدها الجزائر الرسمية كمقدمة للتشويش البعيد المدى على مبدح المسيرة الخضراء الملك الراحل الحسن الثاني ، عساه يكف عن تنظيمها .

... انطلاقا من هذا اللقاء أصبح مقامي في الديار الجزائرية يشهد عداً تنازلياً ، لقد وضعني "كاتب ياسين" ومن ورائه من حكام يتزعَّمهم الهواري بومدين نفسه أمام اختيارين لا ثالث لهما ، أن أظل مخلصا لوطني فأخسر كل ما بنيته بعرق جبيني ، بما فيها الأجرة التي التي كنت أتوصل بها منتظمة من الإذاعة والتلفزة الجزائرية البالغة أربعين دينار عن كل دقيقة مُسجَّلة من انتاجاتي ، حينما كانت القيمة المصرفية للدينار الجزائري متساوية مع الدرهم المغربي ن وتتبخَّر الشركة التي حلمتُ بإقامتها للإنتاج الإذاعي والتلفزي على مستوى تغطية حاجيات العالم العربي ، في هذا المجال الأدبي الفني الحيوي ،  أو الاحتفاظ بتلك المنافع المذكورة بل تنمياها إلى الأفضل ، إن حنتُ بلدي واتبعتُ قلباً وقالباً هوى النظام الجزائري ، الرامي إلى إلحاق الأذى بالمملكة المغربية الشريفة .

... طلبتُ من "كاتب ياسين" أن يمهلني لبعض الوقت لأفكِّر جدياً في الموضوع ، فقبل على مضض إذ أسياده يستعجلونه بإقناع مصطفى منيغ القادر على كتابة النص المسرحي بالمواصفات المطلوبة والرسالات الموضوعة لتعميم البلبلة في عقول الرأي العام العربي والدولي اتجاه ما أقدم عليه ملك المغرب من تنظيم مسيرة خضراء ، لن تتوقف إلا باسترجاع الصحراء المستعمرة من طرف اسبانيا وضمها لمساحة مملكته ، الشيء الذي لا ولن تقبل به جزائر الهواري بومدين ، هذا من جهة ومن أخرى حتى يضطلع مصطفى منيغ بدور قيادة المعارضين المغاربة لفكرة إقامة مسيرة من هذا الحجم هادفة لمثل الغاية ن وبمصطفى منيغ يضرب الهواري بومدين عصفورين بحجر واحد .

... هنا يتجلى الوفاء للوطن في أبهى صورة ، وتتقدم التضحية / الضمير مستجيبة نداءه لدى المغربي الواضع رأسه بين كفيه عبر عابئ بما سيقع إن تغلب قرار الشر على اختيلر الخير ، في المواجهة المريرة لحظة الصمود الحقيقي المرتبط بشرف وكرامة وعزة وسؤدددولة وأمة جمعهما المغرب ن هنا يتم تصنيف المغربي المتحمل مسؤولية تمثيل وطنه بما يصدر عنه من قرار ،  شجاعة البقاء وليس جبن الفرار ، فإما النصر أو ولوج القبر .

... هنا يضع الوطن أي مغربي على طاولة المشرحة ليتيقن من حقيقة ارتباط المعني به أقائم على عهد موثق لدى جناحي الحياة في الإنسان قلبه وعقله ، أم القضية مجرد رقم في بطاقة الانتساب ، متى هب ريح الإغراء المادي حط بها حيال مَن يدفع ، لتسجل كصاحبها في شهادة الضياع .

... لم أذق ليلتها متعة الكرى لأقرر ما لعيون الحاقدين على وطني سترى ، ولألقن حكام الجزائر وعلى رأسهم الهواري بومدين درساً يعيدهم إلى قسم "الحضانة" ، عساهم يتعلمون بالتدريج تقنية التخطيط بمقوماته العلمية وأبعاده المرحلية وتأثيراته السطحية كالجوهرية ، لإتجاز الأهداف المعنية وفق رسومات بيانية محددة نقط التجاذب والتدافع ، وصولا لتمشيط عقول ، قصد ما علق داخلها من غل اتجاه المغرب يزول ، ولأعرِّفهم بسياسة السياسة بتوجهاتها اللينة الرطبة والجافة اليابسة ، المهمة صعبة للغاية ، نجاحها يقتضي وضع أسوأ السيناريوهات لما يمكن أن يحصل لو اكتشف من كلفوا بمراقبتي على امتداد الساعة ، أنني قلبا وقالباً مع وطني المغرب ، أخطط بدوري لتكون النتيجة التي أسعى إليها (مهما كلفتي إنجازها على أرض الواقع) لتصبح عبرة لمن سوَّلت له نفسه التفكير في شراء ذمم المغاربة الشرفاء المقيمين هناك خلال تلك المرحلة بالذات ، حيث السلطات الجزائرية مستعدة للدفع المالي بسخاء حاتمي وبالعملة الصغبة لابتياع ما تشوِّه سمعة المملكة المغربية . لقد كنت أحد الأكثر اطلاعاً بما يخططه الهواري بومدين لتضييق الخناق على اجتهادات العاهل المغربي قصد تحرير ما تبقى من أرض مملكته محتلاً وفي المقدمة الصحراء ، أحيانا المعلومات القيمة كانت تصلني حيث أكون ، دليل اطمئنان كانت المخابرات الجزائرية ، تمثل به دور دور الاعتراف بأنني أصبحت أحد المندمجين سياسياً كأضعف الإيمان مع رغبات القبادة الجزائرية ذات الصلة ، بل أكثر من ذلك إحضاري كإعلامي في بعض الاجتماعات السرية لحد ما ، ومنها الأكثر تأثيراً على نفسيتي ، بل عكس ما كانت تتوقع تلك الجهات ، شكلت درجة متقدمة بالنسبة لي في الحفاظ على حبي لوطني أكثر من حبي لنفسي ، بل أضافت لتحمسي في اتقان ما يؤهلني على أداء تلك المهمة الصعبة التي أقسمتُ أن أعيش لتحقيقها أو أستشهد دونها ،

... أصبح الحذر سمة فارضة نفسها بجدية ، فاليوم ندشن بداية التحضيرات الأولية ومحاولة بناء القالب الدرامي للعمل المسرحي الكبير ، كما جاء به تصور كاتب ياسين ومن معه ، ومفروض عليَّ ترجمته حواراً يجسِّد ما قد يصبح علامة بارزة على تدخل الجزائر في شؤون جارتها الداخلية ،الحقيقة كم هو صعب عليَّ إخفاء عدم رغبتي القيام بعمل وأنا بالفعل أقوم له ، جزءا لا يتجزأ من خطة اعتمدتها وصولا للحظة الصفر المنشودة . (يتبع)

(الصورة : كاتب ياسين)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثالث

 

 

من وراء المسيرة الخضراء  / الجزء الثالث

بغداد : مصطفى منيغ

وجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ المُخَوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة ، أو يقطع عليّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ عبد القادر نور الذي مدّ َلي  ورقة بيضاء وقلماُ حبره أحمر ، طالباً مني أن أكتب خاطرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ، كانت لحظة رغم قصرها حسبتُها طويلة مقلقة ساد أثناءها صمت غريب انتهى بتكريسه ذاك الكلام الذي شكل في الواقع أول خطوة أقطعها داخل تلك البناية المكونة من ثماني طوابق الكائنة بشارع الشهداء رقم 21 ، لم يكتفي الأستاذ نور مرحباً بشخصي بل اصطحبني لقسم شؤون العاملين لأوقع داخله على عقد عمل رسمي وأتوصل بدفعة مالية محترمة تحت الحساب ، ومنذ اليوم الثاني عكفت على تأليف مسلسل "الشيطان"، فكان بحق من أجود وأنجح المسلسلات المذاعة طيلة شهر ساهم في تخفيف السير في ساعة معينة ليس في العاصمة وحدها وإنما على مستوى الجمهورية الجزائرية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، ، بما أثاره من استحسان  وما أظهره من تقنيات كتابة متخصصة فيفي المجال ، لم تكن معهودة بتلك الدقة في الوصف  وكثافة المعلومات ، أضف على ذلك براعة الإخراج الذي أبدع فيه الأستاذ "الكيتاري" التونسي الجنسية ، والعناية والاهتمام بالعمل الضخم الذي أبداه الأستاذ "أحمد بولعواد"  المشرف على ما كان يُسمَّى بأستوديو إذاعة شارع "أحمد زَبَانَة" لاَ رُوشْ سابقاً ، وُضِع رهن إشارة المسلسل تدريباً وتسجيلاً ، وبالتالي العدد الهائل من الممثلين والممثلات المنسجمين في إعجاب ملحوظ بالشخصيات التي يتقمَّصونها بإتقان فاق الوصف ، فهنَّأني الأستاذ "الشيخ الدَحَّاوِيّ بكلمات مؤثرة لا زال صداها يرن بكرم ونبل معانيها في أذني لحد الساعة ، وإذا علمنا أن الأستاذ السيخ الدحاوي يمثل ركناً وازناً من أركان تلك المؤسسة ن لما يختزن فكره من غزارة علمية وباللغة العربية الصحيحة السليمة ن علمنا وقع كلماته الطيبة في نفسيتي ، وأنا في بداية السلم أتسلَّق النجاح الحقيقي درجاً درجا ،الأستاذ الكبير عبد القادر نور جاء موقفه من المسلسل في تصريح خص به الصحفيين قائلا : "الأعمال المُقدًّمة من طرف الأستاذ مصطفى منيغ ستخلق نوعاً من المنافسة داخل الجزائر في مجال الإبداع والتأليف لأشكال أدبية متنوعة لها قيمتها بالتأكيد ، ستعود بالنفع على الساحتين الأدبية والفكرية داخل الجزائر وخارجها" ، بالفعل تم التعاون في هذا الإطار والعديد من رجالات ونساء الأدب والفن وأيضا السياسة ، والكثير من التقنيين داخل تلك المؤسسة الإعلامية الموقرة ، فكم هي تلك الجلسات الممتعة التي شاركتُ فيها كبراء الفكر والسياسة داخل العاصمة وعبر مدن غيرها مثل وهران التي قدمتُ لمدير إذاعتها الأستاذ الصديق "الصايم" مسلسل "الحقيبة السوداء" ، كما ساهمت في العديد من البرامج منها "ألحان وشباب" المُعد من طرف الفنان (فاقد البصر) "مُعْطِي بشير" ن علماً أنني قدمت قطعة مغناة بصوتي ومن ألحاني ، سمعتها مُذاعة في مناسبات عدة ، كما لي من المساهمات ما يضيق الحجم عن نشره ، لا زلتُ محتفظا بأغلبيتها كذكرى تقربني متى عدتُ إليها من تلك المرحلة المهمة في مجرى حياتي المنتهية أواسط السبعينيات من القرن المنصرم .

... مرة وأنا أنتظر المصعد بعدما ضغطتُ على زر توقفه في الطابق الثاني فلما انفتح بابه قابلتني مفاجأة من العيار الثقيل ، الرئيس الهواري بومدين وهو يطلب مني الصعود رفقته ووزير الإعلام في حكومته والرئيس "عبد الرحمان شريط " المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية ، بل أمرني بالجلوس معهم في نفس الطاولة لتناول الطعام مع موظفي وعمال المؤسسة الإعلامية الضخمة الطي زارها ذاك اليوم ذاك اليوم المشهود رئيساً للجمهورية من تلقاء نفسه دون سابق إعلام وبلا ترتيبات برتوكولية ، فاتخذها الجميع مناسبة من طُعْمٍ جديد يهيئ لشيء مُبتكر على الدار التحمُّس للعمل في إطاره بأقصى قوة ، ونحن نتناول الطعام بادرني الرئيس باستفسار يعني خلفية وهدفاً مقصوداً وراءه امتحانا مباشراً لأفكاري عن سبب سأعرفه في النهاية مع مغادرة فخامة الرئيس الطابق الثامن من تلك العمارة التي أطلقتُ عليها في إحدى مقالاتي المنشورة لقب " مقر صوت الشعب الجزائري"  سألني :

هل توصلتَ لمعرفة الشيطان بعد مسلسلكَ الذي يجمل اسمه  يا أستاذ منيغ مصطفى ؟

أجبته دون تردد لكن لـدب جم :

قد يكون معنا داخل هذا المقهى / المطعم مندسا خلف ملامح منافق انتهازي حاقد على أي شيء  يشم فيه رائحة النجاح ، لأنه يترعرع نشاطه مع الأقبح ،  وفي جو اليأس يمرح ، ويبهج مع الهم والفم إن سيطر على فضاء أي محيط محدود بأمتارٍ قلَّة أو كيلومترات أوسع مما نتخيَّل بدايتها كنهايتها .

قطعني الرئيس مبتسماً عن غير عادته قائلاً :

إني أتابع حلقات "الشيطان" من مكتبي ن وهل هناك جديد ؟ .

أجل فخامة الرئيس ن مسلسل آخر عنوانه "السنبلة الحمراء" في ثلاثين حلقة .

وقف الرئيس وودع الجميع وبقيتُ في مكاني أتفحص تلك النظرات المسلطة عليَّ بكيفية مقلقة ، فلم أجد مخرجاً من الوضعية التي لم يكن يد في ترتيبها إلا الوقوف للانصراف ن وما هي إلا خطوات حتى لحق بي الكاتب الخاص للسيد المدير العام ، طالباً مني مرافقته دون أن أعرف إلى أين ، حتى أدركتُ مع الاتجاه المأخوذ أن المدير العام نفسه رغب في رؤيتي لأمر هام ، بالفعل صدق حدسي حينما أخبرتي السيد عبد الرحمان شريط أن رئيس الجمهورية بادر باعطاء تعليمات بانتاج برامج إعلامية إذاعية وتلفزيونية تخص الثورات الثلاث التي استحدثها لنقل المجتمع الجزائري من مرحلة إلى أخرى ، قادرة على إلحاق الوطن بركب الدول المتقدمة وهي ك الثورة الثقافية والثورة الاقتصادية والثورة الفلاحة ، في هذا الملف الذي أمنحه إليك (كما خاطبني) ، مباشرة بأمر فخامة الرئيس ستجد فيه أستاذ مصطفى منيغ المعلومات والبيانات المتعلقة بالموضوع ، خذ لنفسك أسبوعاً تتفرغ فيه لقراءة تنفذ لأعماق الأعماق المرسومة لديه رسماً لم يترك أي جانب من جوانب ترسيخه كبرنامج مرشح لتنفيذ تصميماته خدمة لصالح الجزائر دولة وشعباً. أحسستُ ساعتها بالرغبة في الاعتذار لولا طموحي الذاهبة في أبعادها لإبى تأسيس شركة للإنتاج الإذاعي و التلفزيوني على مستوى تغطية حاجيات المغرب العربي كمرحلة أولى ثم العالم العربي برمته ، يكون مقرها الجزائر العاصمة ، بما يتطلبه التأسيس من غلاف مالي كبير وتراخيص السلطات الجزائرية المعنية نلذا مسألة الاعتذار تخليتُ عن التفكير في شأنها وأنا أتصفح أول ورقة من الملف المذكور داخل غرفة في فتدق اخترته في المنتجع الصيفي الهادئ "لاَمَدْرَاكْ" سابقاً "الجميلة" حاليا .منتجع في حجم مدينة صغيرة شاطئية ذي تركيلة سياحية صرفة بميناء صيد متواضع ، كلما قَرُبَ الفجر على الصغود مغطيا بنور الضياء رويدا ظلمة الليل في جو شاعري عز نظيره ، جلسنا في جانب منه نحن الثلاثة ، مصطفى منيغ ، والحاج العَنْقَة الفنان الأصيل وأحد أعمدة الفن التقليدي الشعبي الجزائري ن والموسيقار السوري تيسير عقلة رئيس جوق الإذاعة والتلفزيون الجزاسرسة آنذاك ن لنأكل سمك السردين المشوي على الفحم ن العائد به طريا البحر الزاخر بالعطاء المتجدد طبيعياً. (يتبع)

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثاني

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الثاني

بغداد : مصطفى منيغ

... فما عشناه نحن المغاربة في وسط تلك الديار الجزائرية التي بقدر ما احترمناها وأحببنا أهلها ، كانت تخفي بين جنباتها أناساُ تنكروا للجميل ، وحاولوا جرَّ بعض ضعاف العقول ومرضى النفوس إلى إلحاق الضرر بمن ربط مصيره بمصير وطنه المغربي ، أو أظهر تدمره بما يُحاك في الخفاء من أعمال أقل ما يُقال عنها أنها منافية لتضحيات الشهداء المغاربة الذين ضمتهم التربة الجزائرية وهم يدافعون عن حريتها وانعتاقها واستقلالها .

إنها الصورة الحقيقية للكفاح المرير الذي خضناه نحن المغاربة في الجزائر ، مساهمة منا في تلبية النداء الملكي للمشاركة في المسيرة الخضراء المظفرة ، أسترجعها اليوم وكأني أعيشها منذ لحظات فقط ، متضمنة حقائق تُنشر لأول مرة .

... وجدت نفسي وحيداً بعدما ودَّعتُ آخر شبر من التراب المغربي في اتجاه " للا مَغْنِيَّةْ" ، أول خطوة لي في البلاد الجزائرية الشاسعة الأطراف ، أواجه سكونا لا يعكِّرُ صَفْوَهُ إلا هبوب ريح ينبئني بمقدم ليلة ماطرة باردة ، وكم هو صعب قطع أية مسافة مشياُ على الأقدام ، صاعداً هضاباً بلا لأنيس أحتمي بدفء الدردشة معه في مثل المواقف العصيبة ، وطرداً لكل صورة يلتقطها الخيال ، وقد أمسكت بي دورية شرطة الحدود ، أو من الدرك أو الجيش الجزائري ، في تلك الفيافي شبه القاحلة إلا من دورٍ متواضعة منتشرة هناك على مرمى البصر ، يتجاهلها كل مار مثلي تفاديا للمساءلة المتبوعة بما لا يُحمد عقباه ، وحتى أشغل نفسي بأي شيء ، تذكَّرتُ القائد "الراشدي العلوي" ( الكاتب العام لعمالة أقيم زْوَاغَة مولاي يعقوب  وعامل إقليم أَزيلال سابقا) ، وهو يسألني ( داخل مكتبه بمقر باشوية وجدة ، حينما أخبرته بذهابي إلى الجزائر) عن السبب الذي جعلني أفكر في القيام بذلك ؟؟؟، ابتسمتُ وقلتُ له حرفياً : قد أعود يوماً ما من هناك ، وأطلعك عن جواب قد ينفعك مستقبلاً ويهديك لمغرفة أن المغربي المؤمن بقضية تخدمه وبلده ، إذا عزم على شيء ليس بمقدور أحد منعه سوى خالقه ، كان القائد الراشدي العلوي شاباً أنيقاً معتزاً بنفسه جد مقرب للباشا " بِنْعُودَة عُصْمَانْ" ن الشقيق الأكبر والأب الروحي للسيد "أحمد عصمان" رئيس الحكومة سابقا ، مما أعطاه حضوراً على صعيد السلطة محلياً ، مَن رضي عليه مطمئناً ، ومن ضايقه ولو بسماع مباشر لمثل الكلمات التي واجهته بها ، عليه أن يحتاط من أي غضب قد يشمله ، لكنني أكبر من دلك بكثير ن لا يهمني إلا ما أظهره من مواقف أتخذها وأنا على حق ، والأيام كفيلة بإنصاف تلك المواقف وجعلها نبيلة تستحق الإعجاب والاحترام .

... لم أشعر بالعياء لكن القلق ازداد مع ازدياد الظلام الكثيف ، مانعاً الرؤية الواضحة لسلوك أنسب المسالك ( حتى وإن سبق أن تدرَّبتُ في قرية "بِرْكَنْتْ"كما كانت تُسمى قبل استبدالها لاحقاً "بعين بني مَطْهَرْ"البعيدة عن "وجدة" في اتجاه "تَنْدْرارَهْ" ف"إبُوعَرْفَة" ثم "فِجِيجْ" بما يقارب الثمانين كيلومتر ) على المشي ليلاً  وفق مقاييس معيَّنة ،  لكن الجو ما كان مُسعفاً ولا مُعترفاً لا بتقنية المشي ليلاً بدون إنارة ولا بخرائط ، ولا مناص من الموضعية إلا بالصبر والتبات والتضرُّع إلى المولى جلَّ وعلا  ، وبالتالي عدم التوقُّف عن المسير وإن اتخذ شكل البطيء بصلابة إرادة لا تُقاوَم .

... قبل الاسترسال استرجاعاً لتلك المواقف المشهودة في حياتي خدمة لوطني المغرب مع التدقيق قدر المستطاع ، في وصف الأحداث التي التي تعرَّضتُ لها وفق منظور صادق يُقَرِّب الأشياء بعضها لبعض ولا يفرِّق ، إذ الشعب الجزائري في نظري المتواضع شيء ونظامه (كما عايشتُ شخصيا) المتحكم المطلق في تدبير شأنه في المجالين المحلي كالدولي شيء ثاني ،  همان استثناءات لكنها تبقى بسيطة غير مؤثرة ، أصحابها أناس (وإن كانوا أقلية)تجاهلوا النضال البطولي المرير الذي خاضه المغاربة الأحرار جنبا لجنب مع المجتهدين الجزائريين الأبرار ، ضد المستعمر الغاشم المشترك لبلديهما ، الاستعمار الفرنسي ن في ربوع وجدة وهذه الطرق التي أقطعها في اتجاه مدينة للا مغنية ن ن مواقع كثيرة منها حافلة بما يرمز لتلك المرحلة التي أتمنى أن لا ينساها كلاهما ، إذ مصيرهما لا زال مشتركا وسيظل ، لأن الإنسان مهما بلغ من القوة لن يستطيع تغيير الجغرافية ، ومَن يعرف المنطقة مثلي يصعب عليه التفريق بين هذا مواطن مغربي وذاك جزائري .

... قلتُ قبل الاستمرار في استرجاع الوقائع ، أود أن أسجل أن المتحدِّث َ عن الجزائر واجب عليه التوفر على شروط قد يتجاوزها حتى التعداد الخاص التالي :

عاشراً: أن يكون مُدركاً عمق الخطورة المقبل عليها في هذا الظرف بالذات والبلدين المتجاورين بحكم الطبيعة والتصوير من الفضاء ، ما لا يتركا أدنى شك أن "السعيدية" امتداد ل"بور سعيد" ، وهذا الأخير خلفية لا يحدها سوى حكم البشر، دون الدخول في تفاصيل أخرى ن انطلاقاً من "عين الصفراء"إلى "بني ونِّيفْ" إلى "زوج بغال" ، أصحاب الأراضي المغنية لا يخفَى عليهم سر ما أقصد ، خاصة إن كان المتحدث كما سأفعل ينطلق من الحياد الإيجابي الذي لا تسوقه العاطفة الجوفاء لتفضيل هذا الجانب على ذاك إلا "مُدافعاً" عن الحق متمسكاً بإنصاف كل زوايا وإن كانت إحداها سياسية بالطبع .

تاسعاً : أن يكون دارسا لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال ، خاصة وأن الشعب من حيث العقلية المتوارثة جيلاً بعد جيل ، ونكهة اللغة المخاطِب بها عربية عامية أو فصحى كانت ، أو أمازيغية قبائلية بنكهة لا تتكرر إلا في الجزائر طولا وغرضاً ، وتلك هوية أراد الميتعمر الفرنسي على امتداد قرن ونيف طمسها ولم يجد لذلك سبيلاً ، وقبل الفرنسيين حاول الأتراك ذلك ولم يتركوا غير ألقاب وأسماء أعظمها تبدَّدت من تلقاء نفسها ، وأخرى و إن عثرت على موقع قدم فقد اكتفت برسم للذكرى لا أقل ولا أكثر .

ثامناً : أن يكون مختلطا بصيغة المستقبل مع المجتمع الجزائري شمالا وجنوباً شرقا وغرباً ، مؤهلاً لذلك انطلاقاً من "كان" بصيغة الماضي مادامت المسافة بين الصيغتين تتواصل بمتابعة يومية يغوص الفكر أثناءها مع ما يجري على أرض الواقع لإنتاج إجابات على أسئلة ثلاث ، لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ . "ورغلة" ك"عنابه" ك"وهران" ك"تلمسان" ك"سيدي بلعباس"  مدن جزائرية كعشرات أخريات المزروعة على خريطة الجزائر ، لكن لكل منها خاصية تميزها عن شقيقاتها بما يضفي جمالية كموقف أو معلمة ترمز لعبقرية ما ، تصارع الزمن لجدارة ما تمثله حقاً ، فظلت شاغلة حيِّزاً في موروث ثقافي شعبي داخل محيط نظيف من شوائب التقليد الأعمى المستورد من بلاد لا تعترف بالأصالة الأهلية المحلية ولا تحترم البداية .

سابعاً : أن يكون على توافق أكيد مع ضميره مادامت كتابة مبنية على أسس علمية تخص ركناً من أركان يحيا الإنسان معها مستكشفاً عالمه الخاص للدفاع عن ترسخه كأمانة حمَّله إياها عند النضج السلف الصالح مدونة في وثيقة لا يحصرها زمان ولا يضبطها تيار سياسي دون آخر ، منطلقة عبر الهواء المستنشق والشعور بالكرامة كأهم احتياط  مصان ذاخل وجدان تربى صاحبه على قناعة ، أن الأمس كاليوم كالغد لا يساوي الفرد الجزائري فيه أية قيمة إن فرَّط في اختيار توجهت الجزائر بما فيها وما عليها ،الجزائؤية  بتعاقب العصور والأحقاب لتضع نفسها في قالبه مهما طغت الحضارة المستوردة لقوة مصدرها وإشعاع انجازاتها العلمية الباهرة ، لتبقى العمامة الجزائرية المشهود برونقها وذاك "السلهام / البرنوص" الذي زاد الأمير عبد القادر الجزائري البطل هيبة على هيبة ، وهو يرتديه مندفعاً يخاطب الند للند أعتى قوة استعمارية آنذاك فرنسا ، أن للرجال الشرفاء الأحرار في الجزائر هدف أسمى إما المجد أو اللحد .

... ما تبقَّى من شروط لا تعتني إلا بالقدرة على التحاور إنطلاقاً من إدراك مُفَصَّلٍ بمعلومات صادقة عن مضمون عقليتين ، وما تنحصر فيهما بعيداً عن بعضهما البعض من خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بالمطلق ، إن كان الوسيط الدبلوماسي (ومن الطرفين) عديم المعرفة المعمَّقة بما لديهما معاً .

... وصلتُ والخيوط الأولى لفجر يومٍ لن أنساه ما حييت ، رَحَّبَ بي من خلاله القدر، لأدخل في أمنٍ وسلام المدار الحضاري لمدينة "للا مغنية" ، وحتى أصل لأبعد نقطة عن الحدود فكَّرتُ في مواصلة صوب مدينة "سيدي بلعبَّاس"حيث وصلتُ لأستريح داخل بيت أحد الأصدقاء المُشيَّد فوق مسجد ، وبعد ثلاثة أيام كنت وسط العاصمة أسأل أجد المواطنين عن مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، لم يكتفي ذاك المواطن الشهم بالأشارات المعهودة أتمم على ضوئها مسيري إ‘لى الموقع الهدف ، بل ألحَّ عليَّ  أن يوصلني بسيارته حينما علم أنني مغربي غريب عن الديار . لم أكن أعرف أحداً بل تركتُ لحارس المؤسسة أن يرشِّحَ لي أحد المسؤولين  لأتناقش معه عسى أن يكون لي نصيب في خملٍ يُجلِسني بذات العاصمة ، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي وجها لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ أمخوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة أو يقطع عليَّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ "عبد القادر نور" الذي مدَّ لي ورقة بيضاء وقلم خبر أحمر طالباً مني أن أكتبَ خاطِرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ن كانت لحظة رغم قصرها حسبتها طويلة مُقلقة ساد أثناءها صمت غريب ثم ... (يتبع

بغداد : مصطفى منيغ

... فما عشناه نحن المغاربة في وسط تلك الديار الجزائرية التي بقدر ما احترمناها وأحببنا أهلها ، كانت تخفي بين جنباتها أناساُ تنكروا للجميل ، وحاولوا جرَّ بعض ضعاف العقول ومرضى النفوس إلى إلحاق الضرر بمن ربط مصيره بمصير وطنه المغربي ، أو أظهر تدمره بما يُحاك في الخفاء من أعمال أقل ما يُقال عنها أنها منافية لتضحيات الشهداء المغاربة الذين ضمتهم التربة الجزائرية وهم يدافعون عن حريتها وانعتاقها واستقلالها .

إنها الصورة الحقيقية للكفاح المرير الذي خضناه نحن المغاربة في الجزائر ، مساهمة منا في تلبية النداء الملكي للمشاركة في المسيرة الخضراء المظفرة ، أسترجعها اليوم وكأني أعيشها منذ لحظات فقط ، متضمنة حقائق تُنشر لأول مرة .

... وجدت نفسي وحيداً بعدما ودَّعتُ آخر شبر من التراب المغربي في اتجاه " للا مَغْنِيَّةْ" ، أول خطوة لي في البلاد الجزائرية الشاسعة الأطراف ، أواجه سكونا لا يعكِّرُ صَفْوَهُ إلا هبوب ريح ينبئني بمقدم ليلة ماطرة باردة ، وكم هو صعب قطع أية مسافة مشياُ على الأقدام ، صاعداً هضاباً بلا لأنيس أحتمي بدفء الدردشة معه في مثل المواقف العصيبة ، وطرداً لكل صورة يلتقطها الخيال ، وقد أمسكت بي دورية شرطة الحدود ، أو من الدرك أو الجيش الجزائري ، في تلك الفيافي شبه القاحلة إلا من دورٍ متواضعة منتشرة هناك على مرمى البصر ، يتجاهلها كل مار مثلي تفاديا للمساءلة المتبوعة بما لا يُحمد عقباه ، وحتى أشغل نفسي بأي شيء ، تذكَّرتُ القائد "الراشدي العلوي" ( الكاتب العام لعمالة أقيم زْوَاغَة مولاي يعقوب  وعامل إقليم أَزيلال سابقا) ، وهو يسألني ( داخل مكتبه بمقر باشوية وجدة ، حينما أخبرته بذهابي إلى الجزائر) عن السبب الذي جعلني أفكر في القيام بذلك ؟؟؟، ابتسمتُ وقلتُ له حرفياً : قد أعود يوماً ما من هناك ، وأطلعك عن جواب قد ينفعك مستقبلاً ويهديك لمغرفة أن المغربي المؤمن بقضية تخدمه وبلده ، إذا عزم على شيء ليس بمقدور أحد منعه سوى خالقه ، كان القائد الراشدي العلوي شاباً أنيقاً معتزاً بنفسه جد مقرب للباشا " بِنْعُودَة عُصْمَانْ" ن الشقيق الأكبر والأب الروحي للسيد "أحمد عصمان" رئيس الحكومة سابقا ، مما أعطاه حضوراً على صعيد السلطة محلياً ، مَن رضي عليه مطمئناً ، ومن ضايقه ولو بسماع مباشر لمثل الكلمات التي واجهته بها ، عليه أن يحتاط من أي غضب قد يشمله ، لكنني أكبر من دلك بكثير ن لا يهمني إلا ما أظهره من مواقف أتخذها وأنا على حق ، والأيام كفيلة بإنصاف تلك المواقف وجعلها نبيلة تستحق الإعجاب والاحترام .

... لم أشعر بالعياء لكن القلق ازداد مع ازدياد الظلام الكثيف ، مانعاً الرؤية الواضحة لسلوك أنسب المسالك ( حتى وإن سبق أن تدرَّبتُ في قرية "بِرْكَنْتْ"كما كانت تُسمى قبل استبدالها لاحقاً "بعين بني مَطْهَرْ"البعيدة عن "وجدة" في اتجاه "تَنْدْرارَهْ" ف"إبُوعَرْفَة" ثم "فِجِيجْ" بما يقارب الثمانين كيلومتر ) على المشي ليلاً  وفق مقاييس معيَّنة ،  لكن الجو ما كان مُسعفاً ولا مُعترفاً لا بتقنية المشي ليلاً بدون إنارة ولا بخرائط ، ولا مناص من الموضعية إلا بالصبر والتبات والتضرُّع إلى المولى جلَّ وعلا  ، وبالتالي عدم التوقُّف عن المسير وإن اتخذ شكل البطيء بصلابة إرادة لا تُقاوَم .

... قبل الاسترسال استرجاعاً لتلك المواقف المشهودة في حياتي خدمة لوطني المغرب مع التدقيق قدر المستطاع ، في وصف الأحداث التي التي تعرَّضتُ لها وفق منظور صادق يُقَرِّب الأشياء بعضها لبعض ولا يفرِّق ، إذ الشعب الجزائري في نظري المتواضع شيء ونظامه (كما عايشتُ شخصيا) المتحكم المطلق في تدبير شأنه في المجالين المحلي كالدولي شيء ثاني ،  همان استثناءات لكنها تبقى بسيطة غير مؤثرة ، أصحابها أناس (وإن كانوا أقلية)تجاهلوا النضال البطولي المرير الذي خاضه المغاربة الأحرار جنبا لجنب مع المجتهدين الجزائريين الأبرار ، ضد المستعمر الغاشم المشترك لبلديهما ، الاستعمار الفرنسي ن في ربوع وجدة وهذه الطرق التي أقطعها في اتجاه مدينة للا مغنية ن ن مواقع كثيرة منها حافلة بما يرمز لتلك المرحلة التي أتمنى أن لا ينساها كلاهما ، إذ مصيرهما لا زال مشتركا وسيظل ، لأن الإنسان مهما بلغ من القوة لن يستطيع تغيير الجغرافية ، ومَن يعرف المنطقة مثلي يصعب عليه التفريق بين هذا مواطن مغربي وذاك جزائري .

... قلتُ قبل الاستمرار في استرجاع الوقائع ، أود أن أسجل أن المتحدِّث َ عن الجزائر واجب عليه التوفر على شروط قد يتجاوزها حتى التعداد الخاص التالي :

عاشراً: أن يكون مُدركاً عمق الخطورة المقبل عليها في هذا الظرف بالذات والبلدين المتجاورين بحكم الطبيعة والتصوير من الفضاء ، ما لا يتركا أدنى شك أن "السعيدية" امتداد ل"بور سعيد" ، وهذا الأخير خلفية لا يحدها سوى حكم البشر، دون الدخول في تفاصيل أخرى ن انطلاقاً من "عين الصفراء"إلى "بني ونِّيفْ" إلى "زوج بغال" ، أصحاب الأراضي المغنية لا يخفَى عليهم سر ما أقصد ، خاصة إن كان المتحدث كما سأفعل ينطلق من الحياد الإيجابي الذي لا تسوقه العاطفة الجوفاء لتفضيل هذا الجانب على ذاك إلا "مُدافعاً" عن الحق متمسكاً بإنصاف كل زوايا وإن كانت إحداها سياسية بالطبع .

تاسعاً : أن يكون دارسا لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال ، خاصة وأن الشعب من حيث العقلية المتوارثة جيلاً بعد جيل ، ونكهة اللغة المخاطِب بها عربية عامية أو فصحى كانت ، أو أمازيغية قبائلية بنكهة لا تتكرر إلا في الجزائر طولا وغرضاً ، وتلك هوية أراد الميتعمر الفرنسي على امتداد قرن ونيف طمسها ولم يجد لذلك سبيلاً ، وقبل الفرنسيين حاول الأتراك ذلك ولم يتركوا غير ألقاب وأسماء أعظمها تبدَّدت من تلقاء نفسها ، وأخرى و إن عثرت على موقع قدم فقد اكتفت برسم للذكرى لا أقل ولا أكثر .

ثامناً : أن يكون مختلطا بصيغة المستقبل مع المجتمع الجزائري شمالا وجنوباً شرقا وغرباً ، مؤهلاً لذلك انطلاقاً من "كان" بصيغة الماضي مادامت المسافة بين الصيغتين تتواصل بمتابعة يومية يغوص الفكر أثناءها مع ما يجري على أرض الواقع لإنتاج إجابات على أسئلة ثلاث ، لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ . "ورغلة" ك"عنابه" ك"وهران" ك"تلمسان" ك"سيدي بلعباس"  مدن جزائرية كعشرات أخريات المزروعة على خريطة الجزائر ، لكن لكل منها خاصية تميزها عن شقيقاتها بما يضفي جمالية كموقف أو معلمة ترمز لعبقرية ما ، تصارع الزمن لجدارة ما تمثله حقاً ، فظلت شاغلة حيِّزاً في موروث ثقافي شعبي داخل محيط نظيف من شوائب التقليد الأعمى المستورد من بلاد لا تعترف بالأصالة الأهلية المحلية ولا تحترم البداية .

سابعاً : أن يكون على توافق أكيد مع ضميره مادامت كتابة مبنية على أسس علمية تخص ركناً من أركان يحيا الإنسان معها مستكشفاً عالمه الخاص للدفاع عن ترسخه كأمانة حمَّله إياها عند النضج السلف الصالح مدونة في وثيقة لا يحصرها زمان ولا يضبطها تيار سياسي دون آخر ، منطلقة عبر الهواء المستنشق والشعور بالكرامة كأهم احتياط  مصان ذاخل وجدان تربى صاحبه على قناعة ، أن الأمس كاليوم كالغد لا يساوي الفرد الجزائري فيه أية قيمة إن فرَّط في اختيار توجهت الجزائر بما فيها وما عليها ،الجزائؤية  بتعاقب العصور والأحقاب لتضع نفسها في قالبه مهما طغت الحضارة المستوردة لقوة مصدرها وإشعاع انجازاتها العلمية الباهرة ، لتبقى العمامة الجزائرية المشهود برونقها وذاك "السلهام / البرنوص" الذي زاد الأمير عبد القادر الجزائري البطل هيبة على هيبة ، وهو يرتديه مندفعاً يخاطب الند للند أعتى قوة استعمارية آنذاك فرنسا ، أن للرجال الشرفاء الأحرار في الجزائر هدف أسمى إما المجد أو اللحد .

... ما تبقَّى من شروط لا تعتني إلا بالقدرة على التحاور إنطلاقاً من إدراك مُفَصَّلٍ بمعلومات صادقة عن مضمون عقليتين ، وما تنحصر فيهما بعيداً عن بعضهما البعض من خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بالمطلق ، إن كان الوسيط الدبلوماسي (ومن الطرفين) عديم المعرفة المعمَّقة بما لديهما معاً .

... وصلتُ والخيوط الأولى لفجر يومٍ لن أنساه ما حييت ، رَحَّبَ بي من خلاله القدر، لأدخل في أمنٍ وسلام المدار الحضاري لمدينة "للا مغنية" ، وحتى أصل لأبعد نقطة عن الحدود فكَّرتُ في مواصلة صوب مدينة "سيدي بلعبَّاس"حيث وصلتُ لأستريح داخل بيت أحد الأصدقاء المُشيَّد فوق مسجد ، وبعد ثلاثة أيام كنت وسط العاصمة أسأل أجد المواطنين عن مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، لم يكتفي ذاك المواطن الشهم بالأشارات المعهودة أتمم على ضوئها مسيري إ‘لى الموقع الهدف ، بل ألحَّ عليَّ  أن يوصلني بسيارته حينما علم أنني مغربي غريب عن الديار . لم أكن أعرف أحداً بل تركتُ لحارس المؤسسة أن يرشِّحَ لي أحد المسؤولين  لأتناقش معه عسى أن يكون لي نصيب في خملٍ يُجلِسني بذات العاصمة ، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي وجها لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ أمخوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة أو يقطع عليَّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ "عبد القادر نور" الذي مدَّ لي ورقة بيضاء وقلم خبر أحمر طالباً مني أن أكتبَ خاطِرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ن كانت لحظة رغم قصرها حسبتها طويلة مُقلقة ساد أثناءها صمت غريب ثم ... (يتبع

من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 14

  من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 14 تطوان : مصطفى منيغ تنفيذ ما فكرتُ فيه يحتاج لحدوث مُعجزة لضمان نجاحه بالكامل ، وإقناع الرئيس الهواري ...